الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

(23) البخل والشح أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. الفصل السادس: بني صهيون

الفصل السادس: بني صهيون
أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
(23) البخل والشح
البخل والشُح من أخلص الصفات التي اتصف بها اليهود في حياتهم، فهم لا يبخلون على منْ يتعاملون معهم أو يُخالطهم، بل إن شحهم وبخلهم وصل لدرجة المنع حتى عن أنفسهم وذويهم، فلما تمكن الشُح والبخل من أنفسهم  إلى درجة محاولتهم  منع خير الله سبحانه وتعالى عن خلقه، من خلال تمنيهم أن تكون لهم نعم غيرهم، فإذا ما خلصت لهم، منعوها الناس، بُخلا وشُحا وبذلك يمنعون خير الخالق عن المخلوق، وما فعل اليهود ذلك إلا لتمكن الحقد والغيظ والحسد من قلوبهم، ويؤكد  ذلك كل منْ خالط اليهود  مباشرة، و منْ دخل معهم فيما يسمى (مفاوضات السلام!!)   
هذا بخلاف آيات الذكر الحكيم التي خلدت تلك الصفة في بني يهود منها:
- ما جاء في سورة النساء حيث قال تعالى:" أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا"  (1) النساء: 53
والنقير هو نقطة سوداء في أعلى نواة التمرة.
قال الإمام الطبري:
إن الله وصف هؤلاء الفرقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشيء الذي لا خطر له، ولو كانوا ملوكاً وأهل قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى النقير أن يكون أصغر ما يكون من النقر، وإذا كان ذلك أولى به، فالنقرة التي في ظهر النواة من صغار النقر، وقد يدخل في ذلك كل ما شاكلها من النقر.(2) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري
قال الإمام الرازي:
اعلم أنه تعالى وصف اليهود في الآية المتقدمة بالجهل الشديد { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً }
 وهو اعتقادهم أن عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى.
 ووصفهم في هذه الآية بالبخل والحسد{ أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً}  
فالبخل هو أن لا يدفع لأحد شيئاً مما آتاه الله من النعمة، والحسد هو أن يتمنى أن لا يعطي الله غيره شيئاً من النعم، فالبخل والحسد يشتركان في أن صاحبه يريد منع النعمة من الغير، فأما البخيل فيمنع نعمة نفسه عن الغير، وأما الحاسد فيريد أن يمنع نعمة الله من عبادة.
 وإنما قدم تلك الآية على هذه الآية لأن النفس الإنسانية لها قوتان: القوة العالمة والقوة العاملة.
 فكمال القوة العالمة العلم، ونقصانها الجهل.
 وكمال القوة العاملة: الأخلاق الحميدة، ونقصانها الأخلاق الذميمة، وأشد الأخلاق الذميمة نقصانا البخل والحسد، لأنهما منشآن لعود المضار إلى عباد الله.


إذا عرفت هذا فنقول: إنما قدم وصفهم بالجهل على وصفهم بالبخل والحسد لوجهين:
 الأول: أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية في الشرف والرتبة وأصل لها، فكان شرح حالها يجب أن يكون مقدما على شرح حال القوة العملية.
الثاني: أن السبب لحصول البخل والحسد هو الجهل، والسبب مقدم على المسبب، لا جرم قدم تعالى ذكر الجهل على ذكر البخل والحسد.
وإنما قلنا: إن الجهل سبب البخل والحسد: أما البخل فلأن بذل المال سبب لطهارة النفس ولحصول السعادة في الآخرة، وحبس المال سبب لحصول مال الدنيا في يده، فالبخل يدعوك إلى الدنيا ويمنعك عن الآخرة، والجود يدعوك إلى الآخرة ويمنعك عن الدنيا، ولا شك أن ترجيح الدنيا على الآخرة لا يكون إلا من محض الجهل.
وأما الحسد فلأن الإلهية عبارة عن إيصال النعم والإحسان إلى العبيد، فمن كره ذلك فكأنه أراد عزل الإله عن الإلهية، وذلك محض الجهل. فثبت أن السبب الأصلي للبخل والحسد هو الجهل، فلما ذكر تعالى الجهل أردفه بذكر البخل والحسد ليكون المسبب مذكورا عقيب السبب، فهذا هو الإشارة إلى نظم هذه الآية.
ولقد ذكروا في تفسير هذا الملك وجوها:
الأول: اليهود كانوا يقولون نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب؟ فأبطل الله عليهم قولهم في هذه الآية.
 الثاني: أن اليهود كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان، وذلك أنه يخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودولتهم ويدعو إلى دينهم، فكذبهم الله في هذه الآية.
الثالث: المراد بالملك ههنا التمليك، يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير، فكيف يقدرون على النفي والاثبات.
قال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال، وكانوا في عزة ومنعة ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل، فنزلت هذه الآية.
أنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم، وهذا يدل على أن الملك والبخل لا يجتمعان، وتحقيق الكلام فيه من حيث العقل أن الانقياد للغير أمر مكروه لذاته، والإنسان لا يتحمل المكروه إلا إذا وجد في مقابلته أمراً مطلوبا مرغوبا فيه، وجهات الحاجات محيطة بالناس، فإذا صدر من إنسان إحسان إلى غيره صارت رغبة المحسن إليه في ذلك المال سببا لصيرورته منقادا مطيعا له، فلهذا قيل: بالبر يستعبد الحر.
 فإذا لم يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا عن المعارض، فلا يحصل الانقياد ألبتة، فثبت أن الملك والبخل لا يجتمعان.
ثم إن الملك على ثلاثة أقسام:
 ملك على الظواهر فقط، وهذا هو ملك الملوك.
 وملك على البواطن فقط، وهذا هو ملك العلماء.
وملك على الظواهر والبواطن معاً، وهذا هو ملك الأنبياء صلوات الله عليهم.
فاذا كان الجود من لوازم الملك وجب في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا في غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة، ليصير كل واحد من هذه الأخلاق سببا لانقياد الخلق لهم، وامتثالهم لأوامرهم. وكمال هذه الصفات حاصل لمحمد عليه الصلاة والسلام.
قال أهل اللغة: النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة، وأصله أنه فعيل من النقر، ويقال للخشب الذي ينقر فيه نقير لأنه ينقر، والنقر ضرب الحجر وغيره بالمنقار والمنقار حديدة كالفأس تقطع بها الحجارة، والغرض أنهم يبخلون بأقل القليل. (3) تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي – بتصرف - 
- ما جاء في سورة التوبة فقال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ " (4) التوبة: 34
قال الإمام الطبري:
يقول تعالى ذكره{ إنَّ كَثِيراً مِنَ الأحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوَالَ النَّاسِ بالباطِلِ } ويأكلها أيضاً معهم { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ } يقول: بشر الكثير من الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، بعذاب أليم لهم يوم القيامة موجع من الله.
واختلف أهل العلم في معنى الكنز، فقال بعضهم: هو كلّ مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤدّ زكاته. قالوا: وعنى بقوله: { ولاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ  }ولا يؤدون زكاتها.(5) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري 
قال الإمام القرطبي:
واختلفت الصحابة في المراد بهذه الآية؛ فذهب معاوية إلى أن المراد بها أهل الكتاب، وإليه ذهب الأَصَمّ؛ لأن قوله: { وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ } مذكور بعد قوله: { إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ }. وقال أبو ذرّ وغيره: المراد بها أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين. وهو الصحيح؛ لأنه لو أراد أهل الكتاب خاصة لقال: ويكنِزون، بغير والذين. فلما قال: «والذِين» فقد استأنف معنًى آخر يبيِّن أنه عطف جملة على جملة. فالذين يكنزون كلام مستأنف، وهو رفع على الابتداء. قال السُّدِّي: عنى أهل القبلة. فهذه ثلاثة أقوال.(6) تفسير الجامع لأحكام القرآن/ القرطبيتفسير انوار التنزيل واسرار التأويل/ البيضاوي
قال الإمام البيضاوي:
{وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } يجوز أن يراد به الكثير من الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضن به وأن يراد المسلمون الذين يجمعون المال ويقتنونه ولا يؤدون حقه ويكون اقترانه بالمرتشين من أهل الكتاب للتغليظ.
ويدل عليه أنه لما نزل كبر على المسلمين فذكر عمر رضي الله تعالى عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم " وقوله عليه الصلاة والسلام: " ما أدى زكاته فليس بكنز " أي بكنز أوعد عليه، فإن الوعيد على الكنز مع عدم الإِنفاق فيما أمر الله أن ينفق فيه.
 وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها " ونحوه فالمراد منها ما لم يؤد حقها لقوله عليه الصلاة والسلام فيما أورده الشيخان مروياً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره " {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } هو الكي بهما.(7) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل/ البيضاوي