السبت، 25 أغسطس 2012

(10) كثرة دعاويهم الباطلة، وترويجهم للإشاعات أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الفصل السادس: بني صهيون


الفصل السادس: بني صهيون
أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
(10) كثرة دعاويهم الباطلة، وترويجهم للإشاعات
يدعي اليهود اليوم ويشيعون وينشرون أنهم من نسل بني إسرائيل الأوائل الذين قطنوا فلسطين وهم في زعمهم وارثوا أولئك الإسرائيليين الأوائل الذين كانوا في فلسطين وتجتهد اليهود اليوم في نشر دعوى نقاء العنصر اليهودي من الاختلاط بالأمم الأخرى فهم جنس حافظ في زعمهم على نقاء عنصره، ويزعمون أنهم شعب الله المختار وباقي الشعوب والأمم عبيد وخدم لهم.
 ولكن الواقع يكذب اليهود في مزاعمهم تلك وذلك أنه بنظرة عامة في حياتهم وسجيتهم، ندرك تباين أصولهم، ففيهم ذو السحنة الأوروبية وذو السحنة العربية، وذو السحنة الإفريقية، ومع هذا التبيان لا يمكن أن يكون أصلهم واحد، إذ لابد أن يكونوا اختلطوا بأمم أخرى أورثتهم هذا التباين في السحنات.
فاليهود من أكثر الناس جرأة وكذبا على الله تعالى، ورسله وأنبيائه، وكتبه ودينه وشريعته، أصحاب دعاوى عريضة، وأقوال ملفقة، لا أصل لها ولا دليل، بل مجرد الهوى والتشهي والغرور، ومعلوم أن القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات، كما قال سبحانه: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (1) الأعراف: 33
و من هذه الدعاوى الزائفة التي حكها الله تعالى، ورد عليها بالدليل في القرآن الكريم:
·   قولهم { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (2) البقرة: 80.
وهذا الكلام محض افتراء وكذب، لا دليل ولا برهان عليه، الهدف منه: تزكية لأنفسهم، وشهادة لها بالنجاة.
جاء في تفسير ابن كثير
يقول تعالى إخباراً عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم؛ من أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليهم ذلك بقوله تعالى: { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا } أي: بذلك، فإن كان قد وقع عهد، فهو لا يخلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى بأم التي بمعنى بل، أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.
قال محمد بن إسحاق عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس: إن اليهود كانوا يقولون: إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوماً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة، فأنزل الله تعالى: { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } إلى قوله: { خَالِدُونَ } ثم رواه عن محمد، عن سعيد، أو عكرمة عن ابن عباس، بنحوه.
 وقال العوفي عن ابن عباس: { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة، زاد غيره: وهي مدة عبادتهم العجل، وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة.
 وقال الضحاك: وقال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوباً أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم التي هي نابتة في أصل الجحيم، وقال أعداء الله: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنم وتهلك، فذلك قوله تعالى: { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل.
وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها قوم آخرون، يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رؤوسهم: " بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم فيها أحد " فأنزل الله عز وجل: { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } الآية، وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه رحمه الله: عن أبي هريرة، قال: لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجمعوا لي من كان من اليهود ههنا "، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أبوكم؟ " قالوا: فلان، قال: " كذبتم، بل أبوكم فلان "
فقالوا: صدقت وبررت، ثم قال لهم: " هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه " ؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أهل النار " ؟ فقالوا: نكون فيها يسيراً، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اخسؤوا والله لا نخلفكم فيها أبداً "
ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم قال: " هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ " فقالوا: نعم، قال: " فما حملكم على ذلك؟ " فقالوا: أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك، ورواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي من حديث الليث بن سعد بنحوه. (3) تفسير ابن كثير1/ 79
·   قوله تعالى{  قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ}  (8) البقرة : 94 – 95
تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري
قال أبو جعفر: وهذه الآية مـما احتـجّ الله بها لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى الـيهود الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجره، وفضح بها أحبـارهم وعلـماءهم. وذلك أن الله جل ثناؤه أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلـى قضية عادلة بـينه وبـينهم فـيـما كان بـينه وبـينهم من الـخلاف، كما أمره الله أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذ خالفوه فـي عيسى صلوات الله علـيه وجادلوا فـيه إلـى فـاصلة بـينه وبـينهم من الـمبـاهلة. وقال لفريق الـيهود: إن كنتـم مـحقـين فتـمنوا الـموت، فإن ذلك غير ضاركم إن كنتـم مـحقـين فـيـما تدّعون من الإيـمان وقرب الـمنزلة من الله، بل إن أعطيتـم أمنـيتكم من الـموت إذا تـمنـيتـم فإنـما تصيرون إلـى الراحة من تعب الدنـيا ونصبها وكدر عيشها والفوز بجوار الله فـي جنانه، إن كان الأمر كما تزعمون أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. وإن لـم تُعْطَوْها علـم الناس أنكم الـمبطلون ونـحن الـمـحقون فـي دعوانا وانكشف أمرنا وأمركم لهم. فـامتنعت الـيهود من إجابة النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى ذلك لعلـمها أنها إن تـمنت الـموت هلكت فذهبت دنـياها وصارت إلـى خزي الأبد فـي أخرتها. 
كما امتنع فريق النصارى الذين جادلوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي عيسى إذ دُعوا إلـى الـمبـاهلة من الـمبـاهلة فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لَوْ أنَّ الـيَهُودَ تَـمَنّوُا الـمَوْتَ لَـمَاتُوا وَلَرَأَوْا مَقاعِدَهُمْ مِنَ النّارِ، وَلَوْ خَرَجَ الّذِينَ يُبَـاهِلُونَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ أَهْلاً وَلا مالاً "
  {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ}
وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن الـيهود وكراهتهم الـموت وامتناعهم عن الإجابة إلـى ما دعوا إلـيه من تـمنـي الـموت، لعلـمهم بأنهم إن فعلوا ذلك فـالوعيد بهم نازل والـموت بهم حالّ، ولـمعرفتهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول من الله إلـيهم مرسل وهم به مكذّبون، وأنه لـم يخبرهم خبرا إلا كان حقّا كما أخبر، فهم يحذرون أن يتـمنوا الـموت خوفـاً أن يحلّ بهم عقاب الله بـما كسبت أيديهم من الذنوب
·   قولهم: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } * { بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون}( 4)البقرة: 111
جاء في تفسير ابن كثير:
يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى، أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة، أنهم قالوا:{ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } (5) المائدة   18
فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا، لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من دعواهم، أنه لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة، فقال: { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ }، وقال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس.
 ثم قال تعالى: { قُلْ } أي: يا محمد { هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } قال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس: حجتكم، وقال قتادة: بينتكم على ذلك { إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }، أي فيما تدعونه، ثم قال تعالى: { بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى:{ فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ  } (6)آل عمران: 20 وقال أبو العالية والربيع: { بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } يقول: من أخلص لله. وقال سعيد بن جبير: { بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ } أخلص { وَجْهَهُ }، قال: دينه { وَهُوَ مُحْسِنٌ } أي: اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما أن يكون صواباً خالصاً لله وحده، والآخر أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، فمتى كان خالصاً، ولم يكن صواباً، لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد "، رواه مسلم من حديث عائشة عنه عليه الصلاة والسلام.
·   قولهم ({ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } (9) البقرة: 135
من افتراءاتهم التي سجلها القرآن : دعواهم إن الهدى والهداية إنما تكون بإتباع ملتهم  ، فمن لم يكن يهوديا فليس بمهتد ؟!
عن ابن عباس قال : قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الهدى إلا ما نحن عليه ، فاتبعنا يا محمد تهتد !! وقالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل الله عز وجل ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) – ابن كثير(10) 1/121
فمعنى الآية : أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين اتبعوا طريقنا تهتدوا وتوافقوا الحق ؟! فرد الله تعالى عليهم بقوله ( قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) أي: ليس الهدى في إتباع ملتكم، بل الحق في إتباع ملة إبراهيم عليه السلام، وهي الحنيفية المائلة عن الشرك، فاتبعوها أنتم كما اتبعناها نحن، لتهتدوا حقا، لأن ملتكم قد دخلها الشرك والكفر والتحريف
ثم قال لهم ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق
السفور هو مثال بسيط جدا لنقيض الوحي الموجود في البروتوكولات.
وهذه دعوة لهم إلى الهداية الحقيقية، التي هي الإيمان بالله تعالى وبالقرآن الكريم الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو خاتم النبيين، وعدم التفريق بين الأنبياء، بالإيمان ببعضهم والكفر بالبعض الآخر، فإذا فعلوا ذلك فقد أسلموا، وأصابوا الهداية التي يريدوها الله منهم، وإن أعرضوا فهم ضالون معاندون مستكبرون
·   قولهم (قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) أي: كل من كان من غير اليهود، فإنه مهدر الحقوق ! فلا حرمة لماله، ولا عتب ولا ملامة  في أكل حقه وسلبه! وذلك في: قوله تعالى {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (12) آل عمران: 75
أي: من اليهود من فريقا إن تأتمنه على الأموال الكثيرة، يؤدها إليك عند طلبها منه كاملة غير منقوصة، ومنهم من إن تأمنه على القليل منها يأكلها، ولو كانت دينارا، ويجحدها مستحلا لها. 

والسبب في ذلك: ادعاؤهم وافتراؤهم أنه ليس عليهم في الأميين - من العرب وغيرهم - سبيل، أي: ليس علينا إثم في عدم أداء أموالهم إليهم، وهذا يدل على أنهم رأوا أنفسهم في غاية العظمة، واحتقروا غيرهم غاية الاحتقار !! فلم يجعلوا لغيرهم من الأمم أي حرمة.
وكان هذا كذبا على الله تعالى واختلاقا، وافتراء على دينه وشرعه وكتابه، كما قال سبحانه (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) فجمعوا بين أكل الحرام، واعتقاد حله ؟! وما زعموه لا يؤيده شرع قويم، ولا عقل مستقيم!
 ثم رد الله عليهم هذا الزعم الفاسد بقوله ( بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ) أي: ليس الأمر كما يزعمون !  بل عليكم الإثم والوزر، والله عز وجل حرم عليكم أكل الأموال إلا بحقها، ويحب من يوفي بجميع الحقوق، سواء كانت لله تعالى أم لعباده، وهو  يحب المتقين من خلقه، من أي جنس وعرق ولون، وسواء كانوا منكم أو من الأميين .
هذا الأمر جعلهم يحرفون التوراة لتوافق ما تهوى أنفسهم الأنانية، ففي التوراة تحريم الربا مطلقا وتقول: " لا تأخذ ربا من أخيك إذا أقرضته " فحرف اليهود هذا النص فزادوا كلمة: الإسرائيلي ! فأصبح النص هكذا: " لا تأخذ ربا من أخيك الإسرائيلي إذا أقرضته " !! وبذلك أصبحوا يحرمون الربا عند تعاملهم مع بعضهم، ويحلونه عند تعاملهم مع غيرهم.
ولهذا تجد في الواقع المعاصر أن أكثر البنوك العالمية الربوية اليوم أصحابها من اليهود ! الذين لا يبالون بالناس ، ولا بما يصيبهم جراء الربا .
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمانة يجب أن تؤدى للبر والفاجر، فقال: "  أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك " رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، أي: لا تقابل خيانته بالخيانة، فتكون مثله.
·   قولهم { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } (6) المائدة: 18
 السبي البابلي لليهود وتعذيبهم.
عن ابن عبـاس، قال: أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبحريّ بن عمرو، وشأس بن عديّ، فكلـموه، فكلّـمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلـى الله وحذّرهم نقمته، فقالوا: ما تـخوّفنا يا مـحمد، نـحن والله أبناء الله وأحبـاؤه كقول النصارى، فأنزل الله جلّ وعزّ فـيهم: { وَقَالَتِ الـيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَـحْنُ أبْناءُ اللّه وأحِبَّـاؤُهُ }... (7) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري
تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل/ البيضاوي
{ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } أشياع ابنيه عزيراً والمسيح كما قيل لأشياع ابن الزبير الحبيبون أو المقربون عنده قرب الأولاد من والدهم وقد سبق لنحو ذلك مزيد بيان في سورة «آل عمران». { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم } أي فإن صح ما زعمتم فلم يعذبكم بذنوبكم فإن من كان بهذا المنصب لا يفعل ما يوجب تعذيبه، وقد عذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ واعترفتم بأنه سيعذبكم بالنار أياماً معدودات. { بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ } ممن خلقه الله تعالى. { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } وهم من آمن به وبرسله. { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } وهم من كفر، والمعنى أنه يعاملكم معاملة سائر الناس لا مزية لكم عنده. { وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } كلها سواء في كونها خلقاً وملكاً له. { وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
·   قولهم { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}(11) الأعراف: 169
فهم هنا يدعون أن ذنوبهم مغفورة مهما فعلوا ؟! ومهما ارتكبوا من موبقات، وانتهكوا من حرمات، وأكلوا من أموال محرمات ؟!
يقول تعالى: فخلف بعد أولئك الذين قطعناهم في الأرض خلف سوء، ورثوا التوراة فقرؤوها وتعلموها وعرفوا ما فيها من حلال وحرام ، ولكنهم لم يعملوا بأحكامها، بل استحلوا المحارم، وتهافتوا على حطام الدنيا، وأكلوا الأموال المحرمة بشراهة، من ربا ورشاوى، وقالوا: إنه سيغفر الله تعالى  لنا ذنوبنا ؟! ولا يؤاخذنا لأننا من نسل أنبيائه، فنحن شعبه المختار !!

 ثم أخبر الله تعالى عن إصرارهم على ذنوبهم ، وعدم توبتهم ، فقال ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) أي : هم مستمرون على ذلك .
 
فأنكر الله عليهم بقوله  ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ) أي : قد أخذ الله تعالى عليهم في التوراة ، ألا يقولوا على الله إلا الحق والصدق ، وألا يخالفوا أمره ، ولا يتجاوزوا حدوده ، ولا ينقضوا عهده ، لكنهم لم يعملوا بذلك ، بل ضيعوه ، واشتروا به ثمنا  قليلا ،  فبئس ما يشترون .