الجمعة، 30 ديسمبر 2011

الفصل الخامس موقف الغرب (المسيحية السياسية) من الإسلام


 الفصل الخامس
موقف الغرب (المسيحية السياسية) من الإسلام




 (1) مقدمة: الحروب الصليبية مستمرة.

من الأمور الثابتة بل الراسخة في التاريخ منذ بزوغ فجر الإسلام الحنيف، وبخاصة فيما يتعلق بعلاقتنا بالغرب المسيحي نجد أننا في تعاملنا معهم تفيض منا سماحة الإسلام، أما هم فيُعاملوننا سواء في الظاهر أو الباطن على أساس أن الحروب الصليبية لم تنتهي بعد.
 لذا فهم حريصون كل الحرص على استمرار تأخر المشرق (مسلمين ومسيحيين) وبخاصة الوطن العربي،و كذلك حريصون على نثر بذور التفرقة، وبث فقدان الثقة بين أبناءه، هذا فضلا عن محاربتهم للإسلام على اعتبار أنه مصدر قوتنا.

ومن ثمة اجتهدوا في إقناعنا بالتخلي عن القرآن، والدوران في فلك أنظمتهم، مستغلين ضعاف النفوس منا، الذين بهرتهم سلبيات حضارتهم من الفسق والانحلال، فدار البعض منا معهم، وتأرجح الأكثرية ما بين الدوران في فلكهم، وبين الصمت العاجز ومص الشفاه، وقضم الأظافر، فبعضنا مع الاشتراكية، وبعضنا مع الشيوعية، وبعضنا مع الرأسمالية، وبعضنا مع الخصخصة، والبعض الآخر مع المصمصة ...الخ.
 



 ونسينا أو تناسينا أن تلك الأنظمة لا تُغني ولا تُثمن من جوع، الأمر الذي أدى إلى فقداننا الثقة في ديننا، ومنْ تمسك به منا، كان تمسكه بجانب العبادات بدرجة تفوق جانب المعاملات، ولم نفهم جميعا درس الماضي وهو أننا لن نصلُح، ولن تصلُح أحوالنا إلا بالرجوع إلى ديننا الحنيف، والتزمنا بجانب المعاملات بنفس درجة التزامنا بجانب العبادات، من خلال السير في درب الإسلام، وأتباع سبيله، وتطبيق قوانينه، فطوق نجاتنا مما نحن فيه مرهون بذلك.
 
 لا ريب أن تاريخ الإنسانية كنزٌ عظيم فيه من التجارب والخبرات ما لا يُقدَّر بثمن ، وخطأٌ كبير أن يقع اللاحقون فيما وقع فيه السابقون ، وذنبٌ عظيم أن نتوه في الدروب ، وفي أيدينا دليل النجاة .. لقد ضلت أمتنا كثيرًا لأنها أهملت تاريخها وتاريخ البشر من حولها ، بل - وللأسف الشديد - فإنها عندما قرأتْ تاريخها قرأته على يد مبدِّلين ومغيِّرين زوَّروا الكثير من الصفحات ، وشوَّهوا العديد من الرموز ، وبدَّلوا القصص ، وقلبوا أحداثها ؛ فصار الصالحُ طالحًا وأصبح المفسد حكيمًا , وبهذا ضاعت العِبَر ، واختفت الدروس ، وفَقَد المسلمون أحد أهم كنوزهم .

وهنا ونتيجة للأحداث التي ترزخ تحت وطأتها أمتنا العربية والإسلامية وجب علينا أن نغوص بعض الشئ في أعماق الماضي نستلهم منه الحكمة والموعظة الحسنة، والتي تكون بمثابة الشعاع الذي يضئ لنا ظلام الأحداث التي يموج بها العالم من حولنا، علينا لفهم طبيعة الصراع الدائر بين الغرب والإسلام سواء كان صراعا بازغا واضحا وضوح الشمس في ضُحاها أو كان صراعا خفيا يستتر خلف الابتسامات العريضة والكلمات المعسولة والوعود الكاذبة



 يتعين علينا حتى نفهم ذلك الصراع ونُحسن التعامل معه أن نعود إلى مرحلة من الماضي مهمة في صُنع أحداث الحاضر، وأقصد بها مرحلة الحروب الصليبية، بل ينبغي علينا  أن نقوم بحملة دراسة شاملة لدراسة التاريخ الإسلامي من كل جوانبه ؛ فنصحِّح كل هذه التجاوزات ، ونعيد الأمور إلى نصابها ، وبالتالي نستطيع الاستفادة من هذا الكنز الهائل من ماضينا والذي سيساعدنا على حُسن فهمه وتدبره على النهوض بحاضرنا ومستقبلنا. 


يُلخص المؤرخ الكنسي أندرو ملر أسباب القيام بالحروب الصليبية قائلاً
 البابا أوربان
: ( فقد كانت المعضلة التي لا تزال تطلب حلاً هي كيف يمكن للسلطة الروحية أن تسود على السلطة الزمنية ؟ هذه معضلة لا يصعب على شيطان روما الماهر أن يجد لها حلاً . وسرعان ما اقترح ، وهو المسيطر على مجالسها ، حرباً مقدسة لتخليص قبر المسيح من أيدي الأتراك . وقعت الفكرة في الحال موقعاً حسناً لدى البابا أوربان ، فأخذ يطبل لها ويزمر ، وأصبح بطلها الصنديد المدافع عنها بكل قوته . كذلك وافق عليها الفاتيكان بأجمعه ، مع أنه لم يكن هناك أدنى شك في أن تلك الحملات الطويلة على فلسطين ستمتص دماء أوروبا وتستنفذ قوتها ومواردها . ولم يكن ليدخل في الموضوع بالمرة أمر السعي وراء خلاص النفوس الهالكة وجذب الخطاة إلى الإيمان بيسوع المسيح ، الأمر الذي هو مهمة المسيحية الحقيقية ، وإنما كان غرض الباباوات إنما ينحصر في إضعاف الملوك الزمنيين حتى بذلك يتسنى لهم السيادة عليهم . وهذا ليس بغريب على البابوية في جوهرها الملحد ، فمثلاً أوصى المخلص كل من يقبله رباً قائلاً " اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها ( مرقص 15:16 )
الدعوة الباباوية للحروب الصليبية 
 خطبة البابا التي إستخدم فيها أكثر من وسيلة لإقناع الحضور بضرورة التوجه إلى فلسطين لنجدة النصارى الشرقيين ، ولحماية الحجاج المسيحيين الذين يعانون - كما يصور البابا - من ظلم وبطش الكفار وهو يقصد المسلمين !

ولكن يقول أوربان : " اذبحوا الكفار بلا حنو ولا رحمة . هذا هو العمل الذي يطلبه الله من أيديكم . اقتلعوا الزوان من جذوره وألقوه في النار حتى يحترق " ولكن هذا لم يكن القصد ، وإنما كان الهدف أن تتضاءل قوة ملوك أوروبا حتى يستطيع البابا أن ينتصر عليهم )
 الحملة الصليبية الأولى التي أطلقها البابا أوربان الثاني .
والعجيب أنه ما إن يأتي ذكر الحروب الصليبية إلا وتجد الجميع يتنصلون منها ، يلصقونها بالغرب مثلاً ، والغرب بدورهم يلصقونها بأفراد معينين ، 

ولكن الواقع التاريخي يشهد أن الذين قاموا بهذه الجرائم ضد المسلمين والبشرية لم يكونوا فرداً ، ولم تكن الكنيسة الكاثوليكية وحدها ولم يكن البابا أوربان وحده الذي أشعل هذه الحرب ، بل هي الكنيسة المسيحية كلها شرقها وغربها .
 بطرس الناسك راكعا أمام البابا أوربان
 فالذين طالبوا الغرب بهذه الحروب هم الكنيسة الشرقية عن طريق رسول هذه الحرب بطرس الناسك الذي زعم أنه ( كان جاثياً في الهيكل قال إنه سمع صوت الرب يسوع يناديه قائلاً) : "قم يا بطرس وأعلن ضيقات شعبي . هوذا قد جاءت الساعة لإنقاذ عبيدي واسترداد الأماكن المقدسة (

ولم تقم هذه الحرب إلا عن طريق مجامع مقدسة نادى إلى انعقادها البابا أوربان أولها كان في مارس سنة 1095م في مدينة بلاشنتيا ، والمجمع المقدس الثاني كان في مدينة كليرمونت والذي خطب فيه البابا أوربان قائلاً : ( اطردوا الجارية وابنها . تقلدوا سيوفكم وتقدموا إلى الأمام ، والله معكم)

ثم أعطى البابا بعد ذلك تحليلاً وغفراناً لجميع الخطايا من قتل و زنا وسرقة ، و ذلك بدون توبة ، لكل من يحمل السلاح في هذه الحرب المقدسة . وكذلك وعد بالحياة الأبدية لكل من يقابل الموت المجيد في الأرض المقدسة أو حتى في طريقه إليها .

 أما عن نفسه فقال إنه يجب أن يبقى في مكانه لأن حاجة الكنيسة والعناية بها كانت تتطلب وجوده ، ولكن إذا سمحت ظروفه فسيلحق بهم . على أنه كموسى قديماً سينشغل بالصلاة من أجلهم فبينما هم يكونون مشغولين في قتل العمالقة سيكون هو مشغولاً بالشفاعة والصلاة الحارة لأجل نصرتهم !!.

وهنا صرخ المجتمعين في المجمع المقدس من أساقفة وكهنة مشعلين فتيل الحرب قائلين ( هذه مشيئة الله)

والآن تعالوا نلقي وصفا مختصرا لتلك الحرب التي تمت حسب زعم المجمع المقدس بأنها مشيئة الله ثم نجتهد بصلة تلك الحرب الماضية بحاضرنا ومستقبلنا