الأربعاء، 18 أبريل 2012

الأرض المقدسة بين التمكين و الضياع

الفصل الخامس: موقف الغرب ( المسيحية السياسية) من الإسلام
       (3) الأرض المقدسة بين التمكين و الضياع

تمهيد:
إخواني وبني جلدتي لقضية بدأت قضية الاستخلاف في الأرض من قبل خلق آدم – عليه السلام – فقبله  لقد استخلفَ الله أُممًا في الأرض سنينَ عددًا، ولبِثوا على هذه البسيطة أمَدًا، فلم يراعوا له عهدًا، وقد أراد بهم ربُّهم رشدًا،قصَّ الله علينا من أخبارِهم وأنبائهم ما فيه عبرةٌ للمعتبرين وازدجار للظالمين وموعظةٌ للمتّقين، قال الله عنهم: وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ[الأعراف:102]، لم يكونوا أوفياء، لم يكونوا أُمناءَ، بل كانوا مَرَقة فَسَقة، خارجين عن الطّاعة والامتثال إلى المعصيةِ والضّلال، أممٌ سادتْ ثمّ بادت، قادت ثم فادَت، مَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ[الشعراء:207].
وبعد هلاك تلك الأمم خلق الحق - تبارك وتعال- آدم – عليه السلام – وجعله خليفة في الأرض قال – تعالى – (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة – 30 –
 ولقد ربط  الخالق – جل وعلا بين الاستخلاف والتمكين في الأرض بمقدار الإخلاص في عبادته وطاعته، طاعة فعليه وليست طاعة قولية، العبادة كما وصفها شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: اسم جامـــع لكل ما يحبه الله ويرضاه من
الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة وأمثال ذلك – يعني – العبادة الظاهرة.
 وكذلك حب الله، ورسوله (صلى الله عليه وسلم) وخشيته والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك – يعني – العبادة الباطنة.(1) معارج القبول الشيخ/ حافظ ابن أحمد حكمي ج1 ص 33، 34
فالاستخلاف أو التمكين في الأرض مرتبط بمقدار الإخلاص في طاعة فإذا أخلص القوم في طاعة الله مكن – سبحانه – لهم في الأرض، وجعلهم قادة غيرهم من شعوب الأرض، أما إذا غلبهم النفاق وقعدوا عن الجهاد، وغلبتهم الدنيا، ونسوا الآخرة هنا يضرب رب – العزة سبحانه – عليهم الذلة والمسكنة، و يجعلهم يخضعون لسيطرة عدوهم حتى لو كان أقل منهم قوة وعددا، فنصر المسلمين لا يرتبط بقوة السلاح، وكثرة الرجال، وإنما يرتبط بقوة الإيمان.
 فالاستخلاف في الأرض هو التمكين فيها والملك لها والقيادة والسيادة لمن عليها،وقد وعد الله تعالى عباده المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والتمكين فيها إذا حصلوا حقيقة الإيمان ومقتضياته ، وأخذوا بأسباب التمكين المادية والمعنوية،  فإن  للـــنصر أســبابا كما إن للهـزيمة أسـبابا ..والاستخـــــــلاف في الأرض والتمكـــين لدين الله وعــــد من الله – تعالى - لهذه الأمـة المجيدة ،ولكن هذا لــن يتحــــقق حتى يســــتوفى المسلمون شروط وأســـباب الــــنصر والتــــمكين فى الأرض...
 قال تعالى :( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا {النور: 55 } وقال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ {الحج: 41 }
جلّ في علاه): عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ في ٱلأرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(الأعراف:129]
قال: رسول الهدى – صلى الله عليه وسلم –
 (إنّ الدنيا حلوةٌ خضِرة، وإنّ الله مستخلفُكم فيها فينظرَ كيف تعملون، فاتّقوا الدنيا، واتّقوا النساء، فإنَّ أوَّل فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) أخرجه مسلم)
فــــــلن تنصـر هذه الأمــة ولن يُمـكن لها في الأرض حتى تحقق شروط وأسباب النصر فالحرب ليست نزهة أو شعارات ..والنصر ليس بالمصادفة ومن هذه الشروط والأسباب:
·      الإيمـــــان بكل معانيه وأركانه
·      العمـــــل الصالح وجمــــيع صنوف البر والخـير
·       العــــبودية الحـــقـيقية لله - عز وجل - .
·      محـــــاربة الشرك والضـلال والعقـائد المنحـرفة بكل أشكالها
قال – تعالى – (سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) الإسراء – 77 -
من ذلك هيا بنا نُحدد الأرض المقدسة التي وعد الله عباده، والتي جعلها سجال بين المسلمين يُحكمون السيطرة عليها حال قوة إيمانهم، ثم تضيع من بين يديهم إذا غلبتهم الدنيا وقعدوا عن الجهاد ونصرة الحق فما هي حدود الأرض المقدسة تلك.؟! أو ما المقصود بالأرض المقدسة؟!!
 خط  سير هجرة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - من العراق حتى مصر
الأرض المقدسة
·      قال تعالى: في سورة المائدة: 21 – 22
(  يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ)
·      وقال – جل شأنه – في سورة الإسراء
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ  (
·      وقوله – جل وعلا -
(وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ "جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً) سورة الإسراء(104)
 ·      وقوله – سبحانه وتعالى – في سورة ق
(واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب) "سورة ق: 41
·   وجاء في الكتاب المقدس: في سفر التكوين 15:18-21 حدود أرض الميعاد هو توضيح لأراضي الشعوب القديمة المختلفة، على النحو التالي :
"وفي ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام عهدا، وقال :" لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات -- أرض القينيين، القنزيين، القدمونيين والحثيين والفرزيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين " .
 ·   و قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم  لمعاذ بن جبل  (يا معاذ إن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات، رجالهم ونسائهم وإمائهم مرابطين إلى يوم القيامة ,فمن اختار منكم ساحلا من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في رباط إلى يوم القيامة)
 
·   ولقد ذكر العجلوني: عن عمرو بن العاص قال: حدثني عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: "إذا فتح الله عليكم مصر بعدي، فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً، فذلك الجند خير أجناد الأرض" قال أبو بكر: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: " إنهم في رباط إلى يوم القيامة " .
·      أخرج مسلم في صحيحة أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال
"إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً" قال الزهري: الرحم باعتبار هاجر، والذمة باعتبار إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذمة هنا بمعنى: الحرمة والحق
تفسير آيات سورة المائدة

تفسير البغوي لسورة المائدة قوله - عز وجل -

(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ( 21 ) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) ( 22 )
قوله تعالى: ( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) اختلفوا في الأرض المقدسة, قال مجاهد: هي الطور وما حوله, وقال الضحاك: إيليا وبيت المقدس, وقال عكرمة والسدي: هي أريحا, وقال الكلبي: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن, وقال قتادة: هي الشام كلها, قال كعب: وجدت في كتاب الله المنـزل أن الشام كنـز الله في أرضه  وبها أكثر عباده.
قوله - عز وجل - (كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) يعني: كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم, وقال ابن إسحاق: وهب الله لكم, وقيل: جعلها لكم, وقال السدي: أمركم الله بدخولها،وقال قتادة ] أمروا بها كما أمروا بالصلاة, أي: فَرَض عليكم.(وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ) أعقابكم بخلاف أمر الله.
( فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين) قال الكلبي: صعد إبراهيم - عليه السلام -  جبل لبنان فقيل له: انظر فما أدركه بصرك فهو مقدّس وهو ميراث لذريتك.
) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ( وذلك أن النقباء الذين خرجوا يتجسسون الأخبار لمّا رجعوا إلى موسى وأخبروه بما عاينوا, قال لهم موسى: اكتموا شأنهم ولا تخبروا به أحدا من أهل العسكر فيفشلوا, فأخبر كل رجل منهم قريبه وابن عمه إلا رجلان وفيَّا بما قال لهما موسى, أحدهما يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف - عليهم السلام -  فتى موسى, والآخر كالب بن يوفنا ختن موسى - عليه السلام  - على أخته مريم بنت عمران, وكان من سبط يهود وهما من النقباء.
  فعلمت جماعة من بني إسرائيل ذلك ، فرفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا يا ليتنا في أرض مصر, وليتنا نموت في هذه  البرية،  ولا يُدْخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم, وجعل الرجل يقول لصاحبه: تعال نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر, فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) أصل الجبار: المتعظم الممتنع عن القهر, يُقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها, وسُمي أولئك القوم جبارين لامتناعهم بطولهم وقوة أجسادهم, وكانوا من العمالقة وبقية قوم عاد, فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى مصر خرَّ موسى وهارون ساجدين, وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله تعالى:
(قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 23 ) )
(قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ) أي: يخافون الله تعالى, قرأ سعيد بن جبير « يخافون » بضم الياء, وقال: الرجلان كانا من الجبارين فأسلما واتبعا موسى, ( أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ) بالتوفيق والعصمة قالا ( ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ) يعني: قرية الجبارين, ( فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ) لأن الله تعالى منجز وعده, وإنا رأيناهم وأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة, فلا تخشوهم, ( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوهما 
الأرض المقدسة وفق الكتاب المقدس
أما بخصوص حدود هذه الأرض كما جاء في  آراء  لعدد العلماء والمفسرين:
أولاً: رأي مجاهد: يقول أنها الطور وما حوله.
ثانياً: رأي ابن عباس والسدي وابن زيد يقول أن أريحا هي الأرض المقدسة.
ثالثاً: رأي الزجاج يقول أنها دمشق وفلسطين وبعض الأردن.
رابعاً: رأي قتادة: يقول أنها الشام (سوريا ولبنان ).
خامساً: رأي ابن عساكر ومعاذ بن جبل يقول إنها الأرض الواقعة ما بين العريش طولاً إلى الفرات.
إن أول ما يلفت نظرنا في هذه الآراء التقاؤها حول نقطة مركزية وهي بيت المقدس (فلسطين) فجميع الآراء تتفق حول أن فلسطين جزء رئيس من الأرض المقدسة إن لم يكن قلبها وإن لم تكن فلسطين وحدها هي الأرض المقدسة كما يرى مجاهد وابن عباس.
إن الرأي الأول وكذلك الثاني يضيقان مفهوم الأرض المقدسة ويحصرانها في بقعة صغيرة، ليس فيها من الشروط التي تحقق المفهوم العام للأرض المقدسة إضافة إلى كون هذين الرأيين يستبعدان أن تكون القدس داخلة في مفهوم الأرض المقدسة، وإن كان الرأي الثاني يستند إلى أن موطن الجبارين كان في أريحا وإن مدخل يوشع بن نون ببني إسرائيل كان من خلالها، لأن هذا الاستناد لا ينفي عن باقي أراضي بيت المقدس صفة القداسة.
 إن الرأي الثالث يكاد يلتقي مع الرأي الرابع لولا أنه لا يرى في الأردن عامة ارتباط بالأرض المقدسة بل ببعض منها إضافة إلى دمشق وفلسطين، أما الرأي الرابع فقد جمع الآراء السابقة جميعها في تعبيره (الشام) والشام بمفهومها تشمل سوريا ولبنان والأردن وفلسطين. وهذا الرأي قد يكون الأقرب إلى العقل والأدنى من الحقيقة و- الله أعلم - .
 كما لا يمكننا استبعاد الرأي الخامس  لابن عساكر حيث انه  يضم  إلى هذه البقاع قسماً من أرض العراق، وهو هنا الموصل وخاصة وإن في حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم -  لمعاذ  ما يدعم هذا المذهب، كما يتفق تماماً مع ما جاء في سفر التكوين حيث أنه لما مر إبراهيم - عليه السلام -بأرض كنعان ظهر له الرب وقاله (لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير الفرات).
فالأرض المقدسة وفق تلك الآراء مجتمعه تضم: بلاد الشام التي تؤلف سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، كما تضم مصر علاوة على جزء من العراق وهو أرض نينوى أو محافظة ذي قار الواقعة على نهر الفرات وذلك ما يتضح في قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل: (يا معاذ، إن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات. رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة).
(1) تحديد الأرض المقدسة
إخواني الكرام بدراسة الواقع التاريخي على مر العصور للمنطقة التي ولد به أبو الأنبياء إبراهيم – عليه السلام – ثم خط سير هجرته منها حتى تحقق له الاستقرار لابنه إسماعيل – عليه السلام – بجوار البيت الحرام ندرك أن هذه المنطقة التي هي مسرى الأنبياء بداية من نزول آدم – عليه السلام – بأرض الرافدين نجد أن تلك البقعة تُمثل الأرض المقدسة أو الأرض الطاهرة.
هاجر إبراهيم  - عليه السلام  - من أرض أور بجنوب العراق ومعه أخوه هاران وزوجه ملكا ولم يكونا مؤمنين، وابن أخيه لوط الذي آمن بدعوة إبراهيم إضافة إلى زوجته سارة ابنة عمه، كما سافر معه أبوه آزر خوفاً عليه حتى وصل الجميع إلى بلدة حرَّان في تركيا اليوم وهناك مات آزر.
  أثناء وصول الجميع إلى حرَّان كان الناس فيها يعبدون الكواكب أيضاً فنهاهم إبراهيم عن ذلك وأصروا واستكبروا واستمروا في ضلالته، فتوجه إبراهيم صوب بلاد الشام حتى حل به المقام في فلسطين.
مر إبراهيم في طريقه على دمشق ثم واصل رحلته إلى شرق بيت المقدس ثم تابع إلى البلدة التي عرفت باسمه وهي مدينة الخليل فأقام فيها، فجاءت سنوات عجاف فارتحل إلى مصر، في الوقت الذي أمر الله سبحانه ابن أخيه لوط عليه السلام بالتوجه نحو غور الأردن لدعوة أهل سدوم وعمورة بالعدول عن فاحشة اللواط التي كانوا يمارسونها.
بعد القحط الذي أصاب بلاد الشام هاجر إبراهيم وزوجه سارة إلى مصر فلما رآها الملك الفرعوني أرادها لنفسه، لكن الله يسر لها النجاة من هذا الطاغية، بل قدم لها أمة تدعى هاجر لتخدمها، فعاد الخليل ومعه زوجه سارة وأمتها هاجر إلى منطقة الخليل، واستقر مقامهم فيها.
بعد عشرين عاماً من الزواج لم تنجب سارة لإبراهيم ولداً فقالت لزوجها أرى أن تتزوج هاجر عسى الله أن يرزقنا منها غلاماً، ففعل فرزقه الله منها إسماعيل عليه السلام، فدبت الغيرة في نفس سارة فطلبت من زوجها تغييب الأم وابنها عن وجهها، فقام إبراهيم بالسير بهما نحو الجنوب إلى موضع مكة المكرمة فتركهما هناك وعاد بعد أن دعا لهم بدعوة طيبة ، قال تعالى: { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } إبراهيم37
تلك المناطق التي مر بها خليل الرحمن – عليه السلام – تمثل الأرض المقدسة، ولكنها ليست جيعها على ذات الدرجة من التقديس بل فٌضل بعضها على بعض، فإذا كان جنوب العراق و حران و سوريا ولبنان و فلسطين والأردن مقدسة عن باقي الأرض، فإن مكة والمدينة المنورة والقدس مفضلة، وهكذا عام ثم خاص من عام ثم خاص من خاص.
 وهكذا حتى صارت أفضل تلك البقاع المقدسة  مكة من أرض الحجاز وهي أحب البلاد إلى الله – تعالى – حيث البيت الحرام، ثم تأتي المدينة المنورة دار هجرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وحيث مرقده وصحابته، ثم يأتي المسجد الأقصى ملتقى الأنبياء – عليهم السلام – ومسرى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) متفق عليه 
الدليل على ذلك القول
إخواني الكرام تعالوا بنا نغوص في أعماق التاريخ نبحث عن وضعية تلك الأرض المقدسة، باستثناء مكة والمدينة المنورة اللتان تكفل الحق – تبارك وتعالى – بحمايتهما حتى خرابهما آخر الزمان ضمن الأشراط  أو العلامات الكبرى للساعة، كما سيأتي ذكره بعد قليل، إذن علينا أن ننظر إلى بلاد الرافدين ( أرض العراق ) + حران بتركيا + بلاد الشام ( سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين) + مصر سنجد أن هذه المنطقة منذ بزغ فجر الإسلام على يد الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم -  ثم قيام الدولة الإسلام وتوسعها على يد الخلفاء الراشدين ثم خلفاء بني أميه ثم خلفاء بني العباس نجد أن تلك الأرض المقدسة كانت في قابضة المسلمين ماداموا على الحق المتمثل في الإخلاص لله – جل وعلا – في السر والعلن، وقاموا الضلال ورفعوا راية الجهاد الذي أوله وأعلاه جهاد النفس، فإذا ما ضعفوا وليس المقصود بالضعف هنا الضعف العسكري في العدة والعتاد، وإنما المقصود الضعف الإيماني بالركون إلى الدنيا، والميل إلى طيب العيش، فعندما يصل المسلمين إلى هذا المستوى من الضعف، يفقدوا السيطرة على أرضهم، ويعيشوا تحت مذلة من عدوهم قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
 عن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم – ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها قال قلنا يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ قال أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن قال قلنا وما الوهن قال حب الحياة وكراهية الموت) فهذا هو المعيار يا إخواني حب الدنيا وكراهية الموت كلما تمكنوا من المسلمين ضعفوا وضاعوا، فالخليفة العباسي كان يأكل في أواني من ذهب فسقطت بغداد في يد التتار.
 هولاكو يترك أطباق الخليفة العباسي الذهبية فارغة بعد أن منع عنه الطعام والشراب في محبسه حتى موته
إخواني إن الضعف الذي تمر به الأمة الإسلامية نتيجة ابتعادها عن شرع الله وتركها للجهاد، وميلها إلى الركون إلى الدنيا، وتركها ما فرض الله عليها،وتسليط الله عليها ذلاًّ وهوانًا، وركب رقاب المسلمين أعداؤهم وتملكوا ديارهم ونهبوا خيراتهم، ولم يرفع عنهم هذا الذل إلا بالعودة إلى الجهاد
إن مسألة الاستخلاف والتمكين والتي تتلوها ظهور الخلافات والتفرق وتسلط الأمم على الأمة الإسلامية، فهي سُنَّة الله في خلقه والتي تقضي بأن الإنسان ما التزم بنهج الله وسار عليه، فإن له من الله النصر والتمكين والاستخلاف، وما ابتعد عنه إلا سلط الله عليه ذلاًّ، لا يرفعه عنه إلا إذا عاد إلى الطريق السويّ، وحمل سلاحه في وجه الطواغيت.
  رسم للسلطان ألب أرسلان يضع قدمه على  عنق الإمبراطور الروماني أرمانوس الرابع بعد أسره
إخواني إن لنا في حكام تلك المنطقة المقدسة العبرة والعظة فالسلاجقة في بداية حكمهم  كانوا أقوياء أتقياء،ولذا مكّنهم الله من رفع الذل والهوان عن خليفة المسلمين في بغداد، وتم لهم القضاء على الدولة البويهية،والانتصار على أعداء الخليفة من الباطنية والروم، وتوّج هذا في زمن السلطان ألب أرسلان بانتصاره على الإمبراطور الروماني أرمانوس الرابع وأسره، ومن بعدها بدأت السلاجقة تميل إلى الضعف والانقسام،فأثروا ملك الدنيا على ملك وتنافس رضوان وتتش  أبناء ملك شاه بن ألب أرسلان السلطان السلجوقي فتمكن الصليبيين من تأسيس إمارة بيت المقدس وهكذا ...الخ
 عماد الدين  زنكي
 فاستبدلهم الله بالزنكيين فلما ضعفوا على نفس النسق والمنهاج، أبدلهم الحق – تبارك وتعالى -  بالأيوبيين.ولما ضعف الأيوبيون، وحاربوا بعضهم بعضا بل واستعانوا بعدوهم على إخوانهم في الدم والدين زالوا،  فاستبدلهم الله بالمماليك، وبعدها سخر الله العثمانيين الذين حملوا راية الجهاد قرونًا طويلة، وفتح الله على يدهم القسطنطينية وكثير من البلاد الأوربية، وبقوا أقوياء ما داموا ملتزمين شرع الله يجاهدون في سبيله، وبدأت تضعف قوتهم وتخور وتذهب ريحهم، عندما تركوا الجهاد ومالوا إلى حياة السكون والترف، فذهبت ريحهم كما ذهبت ريح من سبقهم.
صلاح الدين الأيوبي
 وتلك سنة الله في خلقه، كلما ركنت جماعة من المسلمين إلى الهدوء وتركوا الجهاد، أبدلهم الله بأناس خيرًا منهم، فأعادوا إلى الإسلام عزته ورونقه وبهائه. وبين هذه وتلك،بين النزع والاستخلاف تجد أعداء الإسلام يستغلون هذه الأوضاع ليطعنوا في تاريخه ويشوهوا الحقائق ، ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه، إذ لا شيء أسهل من أن تلقي بعدوك تهمة الإرهاب أو التطرف أو الوهابية أو السلفية، أو أن تربطهم بالحكام، خصوصًا أن الواقع الذي جرت فيه الحروب الصليبية هو نفس الواقع الذي نعيشه الآن، وإنْ اختلفت الوجوه وتبدلت الأشكال؛ فالباطنية اليوم يشاركون الصليبيين الجدد دخول بلاد المسلمين، وذلك كما صرح رفسنجاني وخاتمي ونجاد والأبطحي بأنهم شاركوا القوات الأمريكية في دخول كابول وبغداد، ولولا مساعدتهم لهم لما تمكنوا من دخولهما.
 ويسخِّرون من أنفسهم حُرَّاسًا للحدود اليهودية كما آل عليه حال الطبل الأجوف نصر الله، وذلك بعد معركته الوهمية ذات الضجة الإعلامية، والتي انسحب على إثرها اليهود من لبنان، جاعلين منه حارسا لحدودهم، وذلك كما نصت عليه الاتفاقيات التي وقع عليها، في الوقت الذي ظهر فيه كبطلٍ تاريخي، ولكن للحقيقة والتاريخ فإنه لم يكون سوى بطلاً من ورق، وقط بلا خالب.
إخواني وبني جلدتي ارجعوا إلى سيرة ولاة الموصل ومنهم السلطان جكرمش، الذي كان أول من انتصر على الصليبيين، وذلك بعد الهزائم التي حلت بالأمة ودخولهم المسجد الأقصى، في معركة حران سنة 498هـ، والسلطان قلج أرسلان صاحب سلاجقة الروم،والسلطان مودود بن التونتكين الذي سحق الفرنجة في معركة الصنبورة سنة 507هـ بعد تحالف اشترك به صاحب مردين إيلغازي وصاحب تبريز وصاحب دمشق وغيرهموتلاه مقتل السلطان مودود على يد الباطنية من جديد بعد دخوله دمشق منتصرًا، وركز على السلطان إيلغازي وابن عمه بلك بن بهرام ثم والي الموصل أق سنقر البرسقي الذي قُتل على يد الإسماعيلية الملاحدة، إخوة الإسماعيلية العبيدية في مصر في الدين والعقيدة، والذي كان أكبر مهامهم مساعدة الصليبيين في التخلص من قادة الجهاد الذين ظهروا في هذا الوقت.
إخواني هل أدركتم الآن حدود الأرض المقدسة؟! وهل عرفتم كيف نستردها؟! وكيف نحافظ عليها.


(2) مكة المكرمة
قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن مكة هي أحب بلاد الله إلى الله)
إن الاكتشاف العلمي الجديد الذي كان يشغل العلماء والذي أعلن في يناير 1977  يقول : إن مكة المكرمة هي مركز اليابسة في العالم , وهذه الحقيقة الجديدة استغرقت سنوات عديدة من البحث العلمي للوصول إليها , واعتمدت على مجموعة من الجداول الرياضية المعقدة استعان فيها العلماء بالحاسب الآلي . ويروي العالم المصري الدكتور حسين كمال الدين قصة الاكتشاف الغريب فيذكر : أنه بدأ البحث وكان هدفه مختلفا تماما , حيث كان يجري بحثا ليعد وسيلة تساعد كل شخص في أي مكان من العالم , على معرفة وتحديد مكان القبلة , لأنه شعر في رحلاته العديدة للخارج أن هذه هي مشكلة كل مسلم عندما يكون في مكان ليست فيه مساجد تحدد مكان القبلة , أو يكون في بلاد غريبة , كما يحدث لمئات الآلاف من طلاب البعثات في الخارج , لذلك فكر الدكتور حسين كمال الدين في عمل خريطة جديدة للكرة الأرضية لتحديد اتجاهات القبلة عليها وبعد أن وضع الخطوط الأولى في البحث التمهيدي لإعداد هذه الخريطة ورسم عليها القارات الخمس , ظهر له فجأة هذا الاكتشاف الذي أثار دهشته .. فقد وجد العالم المصري أن موقع مكة المكرمة في وسط العالم .. وأمسك بيده ( برجلا ) وضع طرفه على مدينة مكة , ومر بالطرف الآخر على أطراف جميع القارات فتأكد له أن اليابسة على سطح الكرة الأرضية موزعة حول مكة توزيعا منتظما ..
 ووجد مكة - في هذه الحالة - هي مركز الأرض اليابسة . وأعد خريطة العالم القديم قبل اكتشاف أمريكا وأستراليا - وكرر المحاولة فإذا به يكتشف أن مكة هي أيضا مركز الأرض اليابسة , حتى بالنسبة للعالم القديم يوم بدأت الدعوة للإسلام .. ويضيف العالم الدكتور حسين كمال الدين : لقد بدأت بحثي برسم خريطة تحسب أبعاد كل الأماكن على الأرض , عن مدينة مكة , ثم وصلت بين خطوط الطول المتساوية لأعرف كيف يكون إسقاط خطوط الطول وخطوط العرض بالنسبة لمدينة مكة , وبعد ذلك رسمت حدود القارات وباقي التفاصيل على هذه الشبكة من الخطوط , واحتاج الأمر إلى إجراء عدد من المحاولات والعمليات الرياضية المعقدة , بالاستعانة بالحاسب الآلي لتحديد المسافات والانحرافات المطلوبة , وكذلك احتاج الأمر إلى برنامج للحاسب الآلي لرسم خطوط الطول وخطوط العرض , لهذا الإسقاط الجديد ..
 وبالصدفة وحدها اكتشفت أنني أستطيع أن أرسم دائرة يكون مركزها مدينة مكة وحدودها خارج القارات الأرضية الست , ويكون محيط هذه الدائرة يدور مع حدود القارات الخارجية . مكة إذن - بتقدير الله - هي قلب الأرض , وهي بعض ما عبر عنه العلم في اكتشاف العلماء بأنه مركز التجمع الإشعاعي للتجاذب المغناطيسي , يوائمه ظاهرة عجيبة قد تذوقها كل من زار مكة حاجا أم معتمرا بقلب منيب , فهو يحس أنه ينجذب فطريا إلى كل ما فيها .. أرضها .. وجبالها وكل ركن فيها .. حتى ليكاد لو استطاع أن يذوب في كيانها مندمجا بقلبه وقالبه .. وهذا إحساس مستمر منذ بدء الوجود الأرضي ..
 والأرض شأنها شأن أي كوكب آخر تتبادل مع الكواكب والنجوم قوة جذب تصدر من باطنها .. وهذا الباطن يتركز في مركزها و يصدر منه ما يمكن أن نسمية إشعاعا .. ونقطة الالتقاء الباطنية هي التي وصل إليها عالم أمريكي في علم الطوبوغرافيا بتحقيق وجودها وموقعها جغرافيا , وهو غير مدفوع لذلك بعقيدة دينية , فقد قام في معمله بنشاط كبير مواصلا ليله بنهاره وأمامه خرائط الأرض وغيرها من الآت وأدوات فإذا به يكتشف - عن غير قصد - مركز تلاقي الإشعاعات الكونية هو مكة .. ومن هنا تظهر حكمة الحديث الشريف المبنية على قول الله تعالى  ) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ( ومن ثم يمكن التعرف على الحكمة الإلهية في اختيار مكة بالذات ليكون فيها بيت الله الحرام , واختيار مكة بالذات لتكون نواة لنشر رسالة الإسلام للعالم كله .. وفي ذلك من الإعجاز العلمي في الحديث الذي أظهر أفضلية مكانها عن سائر البقاع (شبكة عيون العرب -  الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة)
 هذه هي مكة أفضل وأقدس بقاع الأرض تكفل الحق – تبارك وتعالى – بحمايتها وحفظها فلقد حاول أبره الحبشي هدم الكعبة، فأرسل الله الطير الأبابيل لترميه هو وجنوده بحجارة من سجيل قال – تعالى – (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (2) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ(3) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ(4) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ(5) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ)
فهلكوا وهكذا تظل حماية الخالق – جل وعلا – لمكة والكعبة حتى يخربها  ذو السويقتين من الحبشة
ذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله -  في الفتن والملاحم عن الإمام أحمد رحمه الله بسنده إلى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه قال :- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :- (يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة , ويسلبها حليها , ويجردها من كسوتها , ولكأني أنظر إليه أصيلعاً أفيدعاً , يضرب عليها بمساحيه ومعوله)
(3) المدينة المنورة
إخواني وبني جلدتي تتفاوت البلدان والأوطان شرفاً ومكانة وعلواً وحرمة ومجداً وتأريخاً، وتأتي المدينة النبوية بلد المصطفى  أرض الهجرة ودار الإيمان، وموطد السنة في المكان الأعلى والموطن الأسمى، هي بعد مكة سيدة البلدان, وثانيتها في الحرمة والإكرام, والتعظيم والاحترام، فيها قامت الدولة النبوية, والخلافة الإسلامية، وبها ضربتا بعروقهما, وسمقتا بفروعهما، وصدق رسول الله  إذ يقول: ((أمرت بقرية تأكل القرى, يقولون يثربُ وهي المدينة)) متفق عليه.
 دائرة المحاسن ودائرة الميامن, طيبة الغراء وطابة الفيحاء، توسع العين قرة والنفس مسرة، الفضائل مجموعة فيها, والإيمان يأرز في نواحيها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها)) متفق عليه. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين, كما تأرز الحية إلى جحرها)) أخرجه مسلم، وعند الحاكم والبيهقي من حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((ليعودن كل إيمان إلى المدينة حتى يكون كل إيمان بالمدينة)).
متنفس الخواطر ومرتع النواظر، بلدةٌ معشوقة السكنى طيِّبة المثوى، سكنها مع الإيمان شرف بالغ، واستيطانها مع التقوى عزٌ شامخ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي  قال: ((من استطاع أن يموت في المدينة فليفعل, فإني أشفع لمن مات بها)) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه. وعند النسائي من حديث صميته: ((من مات بالمدينة كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)). وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك, واجعل موتي في بلد رسولك محمد ) أخرجه البخاري.
فيا هناء ساكنيها ويا سعادة قاطنيها، ويا فوز من لزم الإقامة فيها, حتى جاءته المنية في أراضيها.
 في البعد عنها يهيجُ الشوق إليها, ويتضاعف الوجد عليها، وكان رسول الله  إذا قدم من سفر ونظر إلى جُدُرَاتها ودوحاتها ودرجاتها أوضع راحلته, وحركها واستحثها, وأسرع بها لحبه لها، فهي حبيبة المحبوب , القائل: ((اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد)) متفق عليه.
ولا غرو فهي داره ومهجره فيها نصب محرابه ورفع منبره وفيها مضجعه ومنها مبعثه، وفيها أحد جبلٌ يحبنا ونحبه، بلده البديع ودرعه المنيع وحصنه الرفيع، يقول عليه الصلاة والسلام: ((رأيت أني في درعٍ حصينة فأوّلتها المدينة)) أخرجه أحمد.
 بلدةٌ آمنة ومدينة ساكنة لا يُهراق فيها دم, ولا يُحمل فيها سلاحٌ لقتال. فعن سهل بن حُنيف رضي الله عنه قال: أهوى رسول الله  بيده إلى المدينة فقال: ((إنها حرم آمن)) أخرجه مسلم.
لا يكيد أهل المدينة أحد أو يريدهم بسوءٍ أو شر إلا مّاع كما يمّاع الملح في الماء، يقول رسول الهدى : ((من أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله عز وجل, وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً)) أخرجه أحمد، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((من أخاف أهلها فقد أخاف ما بين هذين)) وأشار إلى ما بين جنبيه ـ بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه ـ. أخرجه ابن أبي شيبة.
ومن مناقبها المأثورة وفضائلها المشهورة أنها محفوظة مصونة محروسة محفوفة، لا يدخلها رعب الدجال ولا فزعه ولا يردها ولا تطؤها قدمه، محرم عليه أن يدخل نقابها أو يلج أبوابها، يريدها فلا يستطيعها، الملائكة على أنقابها وأبوابها وطرقها ومحاجها صافون بالسيوف صلتة, يحرسونها ويذبونه عنها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال)) متفق عليه، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((يأتي المسيح من قبل المشرق همته المدينة حتى ينزل دبر أحد, ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام وهناك يهلك)) أخرجه مسلم.
يأتي الدجال سبخة الجُرف عند مجتمع السيول عند الضريب الأحمر فيضربُ رواقه، وترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل منافق ومنافقه وكل كافر وكافرة وكل مشرك ومشركة، وصدق رسول الله : ((لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد)) أخرجه مسلم.
هي حرام ما بين لابتيها وحرتيها وجبليها ومأزميها، لا ينفّر ولا يصاد صيدها, ولا يؤخذ طيرها, ولا يعضد شوكها, ولا يخبط شجرها, ولا يقطع عضاهها، ولا يختلي خلاها, ولا تؤخذ لقطتها إلا لمن يعرفها، يقول رسول الهدى : ((إن إبراهيم حرم مكة, وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها, لا يقطع عضاهها, ولا يصاد صيدها)) أخرجه مسلم.
ويقول أبو هريرة رضي الله عنه: لو رأيت الظباء في المدينة ما ذعرتها، قال رسول الله : ((ما بين لابتيها حرام)) متفق عليه. ويقول عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (كان أبو سعيدٍ يجد أحدنا في يده الطير قد أخذه فيفكه من يده ثم يرسله) أخرجه مسلم.
 أما عن خراب المدينة المنورة فقد روى أحمد وأبو داود عن معاذ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عمران بيت المقدس خراب يثرب ، وخراب يثرب خروج الملحمة ، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية ، وفتح القسطنطينية خروج الدجال "
صححه الألباني في صحيح أبي داود . فظاهره أن نزول الخلافة في الأرض المقدسة سيكون قريبا جداً من الساعة ، فقد يكون هذا هو المراد بعمارتها . والله أعلم
)وَخَرَاب يَثْرِب خُرُوج الْمَلْحَمَة ) : أَيْ ظُهُور الْحَرْب الْعَظِيمة ، وتكون بَيْن أَهْل الشَّام وَالرُّوم
)وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ) يعني : فإذا خرجت الملحمة فبعدها فتح القسطنطينية
)وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ) يعني إذا فتحت القسطنطينية خرج الدجال
. وفي الحديث إشكال ؛ وهو كون خراب المدينة قبل الدجال ، مع ما ورد من أن الدجال يمنع من دخول المدينة ، فإنها ترجف بأهلها ثلاث رجفات فيخرج إليه كل منافق ومنافقة
 وقد أجاب ابن كثير عن هذا الإشكال فقال في "النهاية" (1/94)
"
وليس المراد أن المدينة تخرب بالكلية قبل خروج الدجال ، وإنما ذلك آخر الزمان ، بل تكون عمارة بيت المقدس سببا في خراب المدينة النبوية ، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الدجال لا يقدر على دخولها ، يُمنع من ذلك بما على أبوابها من الملائكة القائمين بأيدهم السيوف المصلتة    
الخاتمة
إنَّ أجيالنا اليومَ تتعرَّض لسُعار الفسادِ وطغيان التّغريب وداءِ التّمييع والإهمال، وسيسألنا الله عن تضييع هذه الأجيال، فهل أعدَدنا جوابًا؟! وهل سيكون الجواب صوابًا؟! يقول رسول الهدى : ((كلّكم راع، وكلّكم مسؤول عن رعيّته، فالأمير راع، والرّجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولدِه، فكلّكم راعٍ، وكلّكم مسؤول عن رعيّته)) أخرجه البخاري.
 أيّها المسلمون، إذا فشِلنا في هذا الجِهاد جهادِنا مع أنفسنا وإصلاحِ مجتمعاتنا وأجيالِنا فسنفشل في كلّ ميادين القتال وساحات النزال، إنَّ كلَّ الضّرباتِ الموجِعة والهزائم المتتابعة والنّكسات المُفظِعة التي نتلقّاها يومًا بعد يوم إنّما هي بسببِ إضاعتِنا للعهد الذي استخلفَنا الله لتحقيقه، ومكَّننا في هذه الأرض لتطبيقِه.
إنّ على الأمّة أن تطرحَ عنها الأمنَ الكاذب والغفلةَ المردِية، وأن تتَّعِظ بتجاربِ البشر، وأن لا تغترَّ بطراءَة العيش ورخاءِ الحياة، فإنّ سنّةَ الله لا تتخلّف ولا تتوقّف، أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَاأي: أوَلم يتبيَّن لهم أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَـهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ[الأعراف:100].

 فمَن ينصرُنا من بأس الله إن جاءنا؟! فتأهَّبوا بالتّوبة، واستحصِنوا بالأوبَة، وكونوا لدِين الله أنصارًا، ووالُوا ضراعةً إلى الله وجؤارًا، واستغفِروا ربَّكم إنّه كان غفارا. فالتَّوبة تدفع عنكم ما لا يدفعه السّلاح، وتمنع عنكم ما لا يمنعه التشدُّق والصّياح، وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـسِقُونَ[النور:55]. فالأرض إرثٌ، والمطامع جمَّة، كلٌّ يهشُّ إلى التماسِ نصيب، وخلائفُ التّقوى هم  ورَّاثُها بالفرضِ والتّعصيب.