الأربعاء، 25 يناير 2012

سادس عشر:صراع الجرزان على أرض الإسلام - الفصل الخامس: موقف الغرب ( المسيحية السياسية) من الإسلام (2) مختصر عن الحروب الصليبية

الفصل الخامس:
موقف الغرب ( المسيحية السياسية)
من الإسلام
(2) مختصر عن الحروب الصليبية
سادس عشر:صراع الجرزان على أرض الإسلام - 


بعد سقوط بيت المقدس والمدن الفلسطينية المختلفة في يد الصليبيين, وصل مندوب البابا - رئيس أساقفة بيزا دايمبرت - إلى الشام في صيف 1099م بعد سقوط بيت المقدس، واجتمع مع بوهيموند أمير أنطاكية ليتباحثا معًا أحوال القوات الصليبية، وكان ذهن دايمبرت يعمل في اتجاه الحصول على أملاك تخص الكنيسة، واستغل بوهيموند هذه الرغبة، ووجَّه أطماع دايمبرت إلى ميناء اللاذقية.

متاحف ومواقع أثرية - اللاذقية - سوريا
ولماذا اللاذقية بالذات ؟ , لقد سيطرت الدولة البيزنطية على ميناء اللاذقية بمساعدة الأمير ريمون الرابع، وحيث إن هذا الميناء يقع في جنوب أنطاكية فهو يمثل خطورة كبيرة على بوهيموند الذي صار معاديًا بصراحة للدولة البيزنطية، ومن ثَمَّ دفع بوهيموند الأسقف دايمبرت لاستغلال أسطول بيزا القوي لحصار اللاذقية وإسقاطها، ووافق الأسقف دايمبرت دون تفكير كثير على هذه الخطوة؛ خشية ألا تبقى هناك مدن مناسبة للاحتلال مع مرور الوقت، وبالفعل تمَّ الحصار، وكادت المدينة أن تسقط لولا حدوث أمر غيَّر الأحداث !
إمارة أنطاكية تحت الحماية البيزنطية
لقد جاء ريمون الرابع بجيشه في هذه اللحظة حيث فشل كما رأينا في الحصول على إمارة في فلسطين، فجاء يكرر سعيه للحصول على إمارة في الشام أو لبنان، وفُوجئ ريمون بالحصار المشترك بين بوهيموند ودايمبرت لميناء اللاذقية، فتدخل مسرعًا، وقام بزجر بوهيموند، وقال لدايمبرت:إنه ليس من الحكمة مطلقًا أن نخطو الآن خطوة نستعدي بها الدولة البيزنطية، وأن هذا سيقضي على آمال توحيد الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية تحت زعامة بابا روما، وأن فرصة دايمبرت أكبر في فلسطين حيث توجد القدس.
كنيسة القيامة في القدس
ووجد دايمبرت أن الكلام مقنع، ومن ثَمَّ - وعلى غير رغبة بوهيموند - رفع دايمبرت الحصار، ودخل ريمون البلدة ليرفع فيها علمه إلى جوار علم الإمبراطورية البيزنطية، وليتجه دايمبرت ومعه بوهيموند أمير أنطاكية وأيضًا بلدوين أمير الرها إلى القدس. لقد ذهبوا جميعًا لدفع الأمور إلى تعيين دايمبرت في أسقفية القدس، ليكون  لهم بذلك  يدٌ عند دايمبرت ومِن ورائه البابا.

وسار الموكب المكون من جيوش دايمبرت وبوهيموند وبلدوين، ولاقى بعض المصاعب في الطريق، غير أنه وجد كل الترحيب من ابن عمار أمير طرابلس حيث قدَّم لهم التموين، ولكن دون فتح أبواب المدينة خشية أن يحتلوها.
ووصل الموكب الكبير إلى بيت المقدس، وسُرَّ جودفري برؤية هذه الأعداد الضخمة من الصليبيين لأنه أصبح في حاجة إلى الجنود، ولكن هؤلاء جاءوا بهدف، وهو عزل الأسقف الموجود وهو أرنولف مالكون، وتعيين دايمبرت مكانه، ووجد جودفري نفسه مضطرًا إلى هذا الأمر حيث إنه محتاج إلى أسطول بيزا القوي، كما يحتاج أيضًا إلى تأييد البابا، وهكذا دُبِّرت محاكمة سريعة للأسقف القديم أثبتوا فيها أن تعيينه كان باطلاً، ومن ثَمَّ عُزِل، ووُلِّي دايمبرت على الأسقفية !
كنيسة المهد بيت لحم
غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل بدأ دايمبرت يتدخل في شئون بيت المقدس السياسية، فهو لم يكن يريد هذا المنصب ليمارس شعائر دينية، إنما كان يريده ليفرض نفسه على الأوضاع ليصير هو السيد المتحكم في الأمور، بل وصل الأمر في سنة (493هـ) فبراير 1100م إلى نزاعٍ معلن بين جودفري ودايمبرت حول ملكية البلاد المحتلة؛ فقد كان دايمبرت يريد لنفسه ملكًا خاصًّا في يافا، وأيضًا في بيت المقدس، بل إن جودفري عرض صراحة أن ينتقل ملك المدينتين إلى دايمبرت بعد وفاة جودفري، ولكن هذا لم يعجب دايمبرت، فعرض عليه أن ينتظر حتى يستولي على مدينتين غيرهما من المسلمين، فيعطي حينئذٍ بيت المقدس ويافا لدايمبرت، ولكن هذا لم يعجب أيضًا دايمبرت، فهو لا يستطيع الانتظار ! وهكذا ظل الصراع بين زعيم بيت المقدس وزعيم الكنيسة هناك دون الوصول إلى نتيجة !!
إنها حرب الجشع والطمع والاستحواذ، ولا مكان فيها لدين أو صليب ! وكذلك فعل بوهيموند النورماني ! لقد عاد بوهيموند بعد اختيار دايمبرت أسقفًا لكنيسة القدس ليواصل أحلامه التوسعية، ولم يقاتل في جبهة واحدة بل قاده جشعه أن يقاتل في أربع جبهات في آنٍ واحد !
نهر العاصي
لقد حاول في البداية أن يستولي على قلعة فامية في حوض نهر العاصي، والمملوكة للأمير العربي سيف الدولة خلف بن ملاعب،
 قلعة فامية
وهو أخو أمير حمص جناح الدولة حسين بن ملاعب، غير أن بوهيموند فشل في الاستيلاء على القلعة الحصينة، ومن ثَمَّ اكتفى بحرق المزارع حول القلعة
 مدينة حمص
واتجه إلى الجبهة الثانية وهي مدينة حلب، حيث التقى مع رضوان بن تتش أمير حلب في موقعة شديدة في (493هـ) يوم 5 من يوليو 1100م نجح فيها بوهيموند في إنزال هزيمة قاسية برضوان، وأخذ الكثير من الغنائم، وأسر أكثر من خمسمائة مسلم، مما جعل رضوان يستنجد بأمير حمص جناح الدولة حسين بن ملاعب، وهذه كانت إهانة كبيرة لرضوان، وضربة لكرامة السلاجقة المتنازعين دومًا مع العرب، ومنهم حسين بن ملاعب، إضافةً إلى صغر سن حسين بن ملاعب وصغر مقامه كأمير لحمص بالقياس إلى حلب، وهذه العوامل جعلت رضوان يسيء الأدب في استقبال جناح الدولة حسين بن ملاعب، مع أن رضوان هو الذي استنجد به، ولا شك أن هذا ترك أثرًا سلبيًّا سيئًا في نفس جناح الدولة حسين بن ملاعب.
مدينة حلب
وكان بوهيموند ينوي في ذلك الوقت أن يضرب حصارًا شديدًا على حلب ليسقط هذه المدينة العريقة، ويضمها إلى إمارته، فتصبح بذلك نقلة نوعية هائلة لإمارة أنطاكية والنورمان، إلا أن بوهيموند الجشع قرر أن ينتقل فجأة إلى حصار مدينة مرعش في الشمال، وهي مملوكة الآن للدولة البيزنطية بعد أن سيطر عليها الصليبيون قبل ذلك بعامين، ويبدو أنه فعل ذلك لإحساسه أن حصار حلب الحصينة سيطول، ولشعوره أن فرصة سقوط مرعش في يده كبيرة لصغر الحامية البيزنطية بها، ولهذا ترك جبهة حلب وانتقل إلى الجبهة الثالثة مرعش، وحاصرها عدة أيام لكنها استعصت عليه، وفي أثناء محاولاته لإسقاطها جاءته استغاثة من حاكم ملطية، وهي مدينة أخرى إلى الشمال من مرعش غالب سكانها من الأرمن، وكانت محاصرة من الملك غازي كمشتكين بن الدانشمند، فاستنجد حاكمها الأرمني جبريل ببوهيموند، فوجدها بوهيموند فرصة، فترك مرعش وأخذ فرقة من خمسمائة فارس لقتال الملك غازي والاستيلاء على ملطية!
هكذا قاده غروره أن يفتح على نفسه أربع جبهات: في قلعة فامية، وفي حلب، وفي مرعش، وفي ملطية؛ وهو يقاتل في هذه الجبهات العرب والسلاجقة والبيزنطيين والدانشمند, إنه الغرور الذي يُعمِي الأبصار؛ إذ وزَّع قواته هنا وهناك، وتوغَّل بخمسمائة فارس فقط في أراضي آسيا الصغرى !

  نابليون بونابرت
وكأن لا بد للقائد المغرور أن يقع في أخطاء, راجعوا قصة نابليون بونابرت وسقوطه في روسيا.. وراجعوا قصة هتلر وسقوطه في فرنسا وروسيا، بل راجعوا قصة فرعون الذي شاهد البحر ينفلق، فإذا به في غرور عجيب، يصل إلى حدِّ الغباء والعمى يأخذ جيشه ويقتحم البحر حتى يهلك !!

لقد سقط المغرور بوهيموند في كمين تركي صنعه الملك غازي بن الدانشمند، وسقط معه في نفس الكمين خمسمائة فارس هي كل القوة التي كانت معه، وسرعان ما كُبِّل الأمير بوهيموند بالأغلال، وقُتل عدد كبير من فرسانه وأسر الباقي !

الأمير بولدوين  أمير الرها
لقد كان صيدًا ثمينًا في وقت حرج جدًّا من أوقات الغزو الصليبي، وكان ذلك في سنة (493هـ) أوائل أغسطس سنة 1100م، وقبل أن يسقط بوهيموند في الأسر أرسل رسالة نجدة إلى بلدوين حاكم الرها، فتحرك بسرعة بسرية مكونة من مائة وأربعين فارسًا فقط لنجدته ! وكان من الممكن أن يلقى نفس المصير الذي لاقاه بوهيموند، لولا أن الملك غازي انسحب مسرعًا بصيده الثمين حتى وصل إلى قلعة نكسار على ساحل البحر الأسود في أقصى شمال آسيا الصغرى ليؤمِّن أسر الأمير النورماني.

وجد بلدوين الطريق مفتوحًا إلى ملطية، فدخلها بسريته، ورحب به أهلها، وكذلك زعيمها جبريل، وسرعان ما ضمها بلدوين إلى إمارة الرها؛ ليوسِّع بذلك إمارته! إن النية لم تكن خالصة لإنقاذ بوهيموند، والتنافس بينهما قديم، ولكن هي يدٌ يقدمها الآن لعلها تنفع غدًا، وفي نفس الوقت هي فرصة ذهبية لضم مدينة تطلب النجدة !ولم يفكر بلدوين بالطبع في مغامرة تتبع القوات التركية إلى قلعة نكسار، وإنما عاد إلى الرها بعد أن ترك خمسين فارسًا في ملطية كنوع من إثبات الوجود، وللدلالة على تبعية المدينة له.
وقد ترك أسر بوهيموند فراغًا سياسيًّا وعسكريًّا كبيرًا في المنطقة؛ فإمارة أنطاكية إمارة مهمة جدًّا، والأطماع فيها كثيرة، فهناك المسلمون السلاجقة وعلى رأسهم قلج أرسلان في آسيا الصغرى، وهناك كذلك الأمير رضوان الذي يعتبر أنطاكية من نصيبه في الميراث! وهناك الدولة البيزنطية الطامعة في أنطاكية منذ زمن بعيد، بل إن هناك ريمون الرابع الذي يبحث له عن إمارة، وأبدى قبل ذلك رغبته الشديدة في حكم أنطاكية، أو على الأقل اقتسام حكمها. ثم إن إمارة أنطاكية لم تعد مدينة واحدة، بل ضمت إليها عدة مدن وقرى وقلاع مجاورة، وهي أغنى الإمارات وأحصنها.

  أوروبا والإسلآم في القرون الوسطى
إن هذا الفراغ السياسي الكبير قد يقود إلى صراع مرتقب بين أطراف عدة. ماذا يفعل الجيش النورماني المسيطر على أنطاكية قبل أن تحدث الكارثة وتتكالب القوى المختلفة على أنطاكية ؟! وماذا يفعل بنو الدانشمند المسلمون وقد امتلكوا ورقة رابحة جدًّا من أوراق اللعبة؟ وماذا يفعل المسلمون بصفة عامة إزاء هذا التطور الإيجابي الأخير ؟

وقبل أن يفكر نورماني أو مسلم في الوضع الجديد إذا بحدث آخر مُجَلْجِل يحدث في بيت المقدس، يُغيِّر من كل الحسابات، ويزيد الموقف تعقيدًا !! لقد مات فجأة جودفري بوايون زعيم بيت المقدس، لتتفجر بذلك مشكلة في حجم مشكلة أنطاكية، أو لعلها أكبر !

 الأمير جودفري منتصرا في معاركه
إنه فراغ سياسي جديد في مدينة القدس قد يؤدي إلى كارثة صليبية جديدة، وخاصةً أن مدينة القدس ذاتها محل صراع كبير بين الصليبيين أنفسهم قبل المسلمين،لقد حدثت هذه الوفاة المفاجئة بينما تانكرد ودايمبرت في حصار عكا ثم حيفا ! ولعلنا نتساءل: ماذا يفعل الأسقف الديني في حصار عسكري ؟! إنه يبحث عن مدينة يقودها أو قرية يملكها ! وأثناء حصار حيفا وصلت أنباء موت جودفري، وكاد تانكرد ينسحب بجيشه عندما علم بأن جودفري قد أوصى قبل موته بإعطاء حيفا لأمير صليبي اسمه جالدمار، لولا أن دايمبرت أقنعه بالبقاء في نظير أن يعطيه مدينة حيفا بعد سقوطها، وفي هذا الوعد من دايمبرت إشارة واضحة إلى أنه كان يعتقد تمام الاعتقاد أن حكم بيت المقدس سيئُول له، وبالفعل سقطت حيفا بعد مقاومة، وعاد الجميع إلى بيت المقدس لمناقشة القضية الكبرى: من سيحكم بيت المقدس ؟!

  المسجد الأقصى
لقد حكم جودفري بوايون القدس سنة واحدة فقط، ولم يترك وريثًا شرعيًّا له يحكم البلاد كما هو معتاد في النظام الأوربي الغربي آنذاك، وكان جودفري يحكم حكمًا وسطًا بين العلمانية الملكية الموافقة لرغبات الزعماء العسكريين للحملة الصليبية، وبين الحكم الديني الموافق لرغبات الكنيسة، فلما مات جودفري قامت قوتان كبيرتان تتنازعان الحكم في بيت المقدس

أما القوة الأولى: فهي القوة الدينية متمثلة في دايمبرت أسقف القدس صاحب الأطماع الكبيرة، والمرشح الأول في داخل مدينة القدس، ومندوب البابا الذي حرَّك الجموع الأوربية لهذه الحملة، وأسقف المدينة المقدسة. وهذا الأسقف كان على دراية بالأوضاع السياسية والموازنات في الجيش الصليبي، فعقد على الفور اتفاقًا مع تانكرد لمساعدته في الوصول إلى كرسي الحكم في القدس، وأرسل رسالة إلى صديقه بوهيموند أمير أنطاكية يستحثه فيها على القدوم إلى بيت المقدس لتزكية ولايته عليه، ولم يكن خبر أسر بوهيموند قد وصل إلى القدس.

أما القوة الثانية: فهي العلمانية الملكية؛ ففرسان جودفري بوايون يملئون القدس، وهم جميعًا يرفضون الحكم الثيوقراطي - أي الديني - ويرفضون أن تُعطى القدس للكنيسة بعد كل هذا المشوار الطويل من الجهد والعطاء، ولقد وقف إلى جوار هذا الفريق أتباع الأسقف المعزول أرنولف مالكون، والذين رفضوا حكم دايمبرت مع أنه حكم ديني لا لشيء إلا نكاية في دايمبرت ! فليست القضية قضية مبدأ، إنما الصراعات الشخصية والأطماع الخاصة

 تانكرد

إّذن من هو يا ترى مرشح الحكم والقيادة عند فرسان جودفري ؟!

إنهم - ولعقليتهم الأوربية الوراثية - ذهبوا بفكرهم إلى أقرب الناس إلى جودفري بوايون، وهذا هو بلدوين أخوه حاكم الرها! ولم يذهبوا مثلاً إلى تانكرد الذي ساهم بجهد وفير في تذليل الصعاب والسيطرة على الأوضاع في منطقة بيت المقدس ويافا وحيفا، وهو الذي كان يرأس إقليم الجليل في عهد جودفري، ولم يذهبوا أيضًا بعقولهم إلى ريمون الرابع الأمير الذي يبحث عن إمارة، إنما ذهبوا إلى الأخ الذي يحكم بالفعل إمارة أخرى هي الرها، وهو الأخ الذي لم يبذل جهدًا قَطُّ في إسقاط بيت المقدس !

 بلدوين
وأرسل فرسان جودفري رسالة سرية سريعة إلى بلدوين في الرها تحثه على القدوم بسرعة لتسلُّم مقاليد الحكم في بيت المقدس ! ووجدها بلدوين فرصة لا تعوض، فشتَّان بين الرها وبيت المقدس؛ ومن هنا أسرع بلدوين بترك إماراته لابن عمه       بلدوين دي بورج
 
وترك معه حامية قوية، وأخذ حامية أخرى وانطلق مسرعًا إلى بيت المقدس، وقد حاول دقاق ملك دمشق الإمساك به في الطريق، ولكن ابن عمار زعيم طرابلس الشيعي قدم المساعدات لبلدوين ليقاوم عدوهما المشترك دقاق السلجوقي السني ! ومن ثَمَّ استطاع بلدوين أن ينتصر على دقاق، بل وغنم كمية كبيرة من المال والسلاح !! إن الوضع كان مزريًا حقًّا !ووصل بلدوين سالمًا إلى بيت المقدس في سنة (493هـ) 10 من نوفمبر سنة 1100م.
وكان فرسان جودفري وأتباع الأسقف القديم أرنولف مالكون قد هيَّئُوا الشعب في داخل بيت المقدس لهذا الموقف؛ فما أن دخل بلدوين المدينة إذا بجميع النصارى والفرسان يخرجون في استقبال بلدوين في مظاهرة كبرى يطالبون فيها بحكمه، ويعلنون رغبتهم الجماعية في سيادته عليهم !

وإزاء هذه المفاجأة لم يستطع دايمبرت أن يواجه الرأي العام المسيحي في بيت المقدس، خاصةً أن فرسان جودفري الراحل، وأيضًا فرسان بلدوين القادمين معه كانوا على أهبة الاستعداد لبذل سيوفهم في سبيل قيام ملكية علمانية بعيدة عن هيمنة الكنيسة، وآثر الأسقف دايمبرت السلامة، وقنع بكرسيه في الأسقفية، ومن ثَمَّ تُوِّج بلدوين زعيمًا على بيت المقدس، ولكنه في هذه المرة لم يَتَسَمَّ بلقب (حامي بيت المقدس)، كما فعل أخوه من قبل، ولم يتسمَّ بلقب أمير كما فعل بقية الزعماء، إنما تلقَّب بلقب ملك ! وهذا يعني أنه لا يتبع أحدًا، بل الجميع يتبعونه، وهذا إن لم يكن واقعًا الآن فسيكون واقعًا في المستقبل، فهو أقوى الزعماء، وهو الذي يحكم أهم المدن، ولهذا تلقَّب بملك بيت المقدس، وهكذا أسست مملكة بيت المقدس ليكون أول زعمائها هو بلدوين الذي عُرِف ببلدوين الأول، وكان ذلك بداية من 11 من نوفمبر 1100م، وإن كان التتويج الرسمي تمَّ في يوم عيد الميلاد الغربي الكاثوليكي، وهو 25 من ديسمبر سنةَ 1100م.

  ملك القدس بلدوين الأول محاطًا بفرسانه
وكان بلدوين الأول من الذكاء بحيث إنه لم يعزل دايمبرت فورًا عن مركزه، وإن كان يعلم أنه كان منافسًا له على كرسي الحكم، وذلك حتى لا يحدث فراغًا في الكنيسة قد لا يستطيع أن يملأه بسهولة، ولكي لا يستعدي دايمبرت ووراءه الأسطول البيزيّ الذي كان بلدوين الأول في أشد الحاجة إليه.

وهكذا التفت بلدوين الأول إلى إقرار الأوضاع في بيت المقدس، وإلى تأمين الطرق حوله، وكذلك إلى توزيع الإمارات والمراكز على أعوانه ومقربيه، ولا شك أن هذا الوضع الجديد كان على غير رغبة تانكرد تمامًا، فتانكرد لا ينسى أنه كان متنازعًا مع بلدوين هذا على مدينة قليقية منذ ثلاث سنوات عند بداية الغزو الصليبي، كما أن تانكرد راهن على الحصان الخاسر في المعركة وهو دايمبرت؛ لذلك علم تانكرد أن بلدوين لن يلبث أن يعزله من إمارة الجليل التابعة لبيت المقدس، وسيقع تانكرد صاحب الأحلام العريضة في مشكلة كبيرة.

  بوهيموند
غير أن الأيام حملت مفاجأة كبيرة سارَّة لتانكرد وهي مفاجأة أسر خاله بوهيموند !! ولا يحسبنَّ أحدٌ أن تانكرد كان حزينًا لهذا الخبر، فليذهب بوهيموند كما يقولون إلى الجحيم! فتانكرد يبحث عن مصالحه هو لا عن مصالح خاله، وقد رأينا ذلك في قصته قبل ذلك حين ترك خاله في أنطاكية وآثر أن ينزل إلى مكان آخر يبحث له فيه عن إمارة بعيدًا عن خاله القوي بوهيموند؛ ولهذا فعندما وصل خبر أسر بوهيموند وصلت معه رسالة من الجيش النورماني في أنطاكية باستدعاء تانكرد ليكون أميرًا مؤقتًا على أنطاكية لحين فك أسر بوهيموند، وكان هذا الاستدعاء نجدة لتانكرد وأحلامه، كما كان نجدة لبلدوين الأول الذي تخلص من أمير مكروه لديه دون مشكلة أو صراع.

  بعد ما أقام الصليبيون الغزاه امارتي انطاكيه والرها , توجهت عيونهم الي بيت المقدس
وهكذا وفي سنة 494هـ\ أوائل 1101م صار بلدوين الأول ملكًا على مملكة بيت المقدس، وتانكرد أميرًا على أنطاكية، وبلدوين دي بروج أميرًا على الرها، وما زال ريمون الرابع يبحث عن إمارة في منطقة طرابلس، وما زال بوهيموند أسيرًا في يد الملك غازي بن الدانشمند.

  الدول الإسلامية المتعددة التي نشأت بعد ضعف الدولة العباسيّة وزوال هيبة الخلافة في بغداد.
وفي وسط كل هذه الأحداث الساخنة والمتلاحقة، يجب أن نتساءل وبقوة: أين كان المسلمون ؟!

لقد كانت هذه الأزمات القوية التي تعرض لها الصليبيون فرصة للمسلمين أن يستعيدوا توازنهم، وأن يجمعوا صفهم، وأن يوحدوا هدفهم، لكن - للأسف - تشعبت بهم الأهواء، ولم يكن لهم زعيم مخلص يُجمِّع ويعلِّم ويوجِّه، فضاعت الفرص تلو الفرص، وأَلِف المسلمون الهوان والذل، وقبلوا بالواقع المرير الذي يكرهونه جميعًا، ولم تتحرك فيهم نوازع رفع الظلم، وتغيير المنكر.. وهكذا مرت الأيام والشهور بل والسنوات، والصليبيون كالمرض العضال يزداد توحشًا وتمكنًا من الجسد الإسلامي الضعيف.

إن الصليبيين في هذه الظروف، وهم يرون المسلمين لا يحركون ساكنًا، بل يسعون إلى عقد اتفاقيات سلام، ومباحثات جوار، وعقود تنازل، في هذه الظروف رأى الصليبيون أن يسرعوا بتوسيع أملاكهم، واستغلال أزمة المسلمين بأقصى درجة.

  بيت المقدس تحت الحكم الصليبي
ففي بيت المقدس بدأ بلدوين الأول يقوم ببعض الحملات العسكرية الخاطفة حول المدينة ليختبر قواته العسكرية، وليكتشف الطرق، ويدرب جنوده على الأوضاع الجديدة، ثم ما لبث أن أخذ جيشه وحاصر أرسوف التي سقطت في يده بعد قليل بمساعدة أسطول بحري قدم من جنوة الإيطالية، ثم أتبع ذلك بحصار قيسارية فسقطت هي الأخرى، وتعرضت بعد سقوطها لمذبحة بشعة قُتل فيها عدد ضخم من السكان المدنيين، بل إن السكان عندما احتموا بمسجد المدينة لحقهم الصليبيون بقيادة بلدوين الأول - الذي تصفه المصادر التاريخية بالحكمة!- وقاموا بذبح كل مَن في المسجد من الرجال والنساء والأطفال، حتى تحول المسجد إلى بركة هائلة من دماء المسلمين والمسلمات !

  بوابة كليوبترا في طرسوس
وفي أنطاكية خرج تانكرد ليمارس نشاطه التوسعي بسرعة قبل أن يفكر أحد في ضعف إمارته لفقدها زعيمها بوهيموند، ولقد كان تانكرد لا يقل شراسة ولا قوة ولا خبرة ولا مهارة عسكرية عن خاله بوهيموند، ولقد استطاع في غضون شهور قليلة جدًّا أن يستولي على ثلاث مدن مهمة في إقليم قليقية شمال أنطاكية، هي مدن طرسوس وأذنة والمصيصة، وكانت تحت السيطرة البيزنطية، بل إنه حاصر مدينة اللاذقية المهمة جنوب أنطاكية، والتي اضطر بوهيموند قبل ذلك بأكثر من سنة أن يرفع عنها الحصار بسبب ريمون الرابع وموالاته للدولة البيزنطية، أما الآن فتانكرد لا يحسب حسابًا أبدًا للإمبراطورية العجوز، ولذلك نصب جيشه حول اللاذقية بغية إسقاطها، وهو ما تمَّ له بالفعل، ولكن بعد قرابة السنتين !!

سقمان بن أرتق
أما في إمارة الرها فقد بدأ بلدوين دي بروج نشاطه بمهاجمة مدينة سروج المسلمة، والتي حاول سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا - وهو من الأمراء المسلمين - أن يستردها عند رحيل بلدوين الأول إلى بيت المقدس، غير أنه - للأسف - لم يتلقَّ أي مساعدة من الأمراء المسلمين في المنطقة؛ مما أدى إلي انتصار بلدوين دي بورج عليه بعد قتال شديد، واستبيحت سروج، وأُخذ منها عدد كبير من الأسرى.

  اللاذقية
كان هذا هو الوضع في مملكة بيت المقدس وإمارتي أنطاكية والرها، فماذا فعل ريمون الرابع ؟! لقد فشل ريمون الرابع في رفع حصار تانكرد من حول اللاذقية، وكنا قد علمنا قبل ذلك أن ريمون يسيطر على اللاذقية لصالح الدولة البيزنطية، ومن ثَمَّ فقد ترك ريمون المدينة وانطلق إلى القسطنطينية ليتباحث مع ألكسيوس كومنين كيفية تخليص اللاذقية، غير أنهم فوجئوا بحدث مهم ضخم غيَّر من حساباتهم، وأوشك أن يغيِّر من خطط الجميع !!

  وصلت جموع الصليبيين فلسطين فاحتلت الرملة، ثم يافا ودمرتها، واستولت على القدس
لقد وصلت جموع هائلة من الغرب الأوربي تسعى للمشاركة في الحملة الصليبية ! لقد سمع الأوربيون بأخبار تأسيس ثلاث إمارات في داخل أراضي المسلمين، وسمعوا بأخبار الغنائم والأموال والأسلاب، وسمعوا بأخبار الموانئ الإسلامية التي تتساقط في أيدي الصليبيين، وسمعوا عن العقود التجارية التي فازت بها أساطيل الجمهوريات الإيطالية، وسمعوا عن إستكانة المسلمين غير المتوقعة وفرقتهم وتشرذمهم، لقد دفعتهم كل هذه المعلومات إلى تجميع الأعداد الكبيرة للاستفادة من هذا الموروث السهل !

ولقد وصلت هذه الجموع الهائلة إلى القسطنطينية في (494هـ \ مارس سنة 1101م (خريطة 19)، وكان أول المجموعات وصولاً هي مجموعة اللمبارديين، وهم أهل شمال إيطاليا، وكان على رأسهم (أنسلم) رئيس أساقفة ميلانو، وكان بصحبتهم أيضًا مجموعة من الأمراء الإيطاليين مثل ألبرت وجيوبرت وهيومن وغيرهم، غير أن عموم الحملة كانوا من الفلاحين والعوام، وأيضًا من النساء والأطفال، وكانت هذه الحملة أشبه ما تكون بحملة بطرس الناسك ووالتر المفلس، ولعلنا نلاحظ أن الحملة العسكرية الأولى كانت بقيادة أدهمار المندوب البابوي (أسقف بوي)، ثم كانت النجدة الثانية بقيادة دايمبرت رئيس أساقفة بيزا، وها هو أنسلم رئيس أساقفة ميلانو يقود النجدة الحالية، ليبرز لنا بوضوح دور الكنيسة في تحريك الجموع بغزو البلاد الإسلامية.

  أطلال أسوار مدينة نيقية العتيقة
وعندما وصلت هذه الجموع إلى القسطنطينية قاموا بالإفساد الذي تعوَّد عليه شعب أوربا في ذلك الوقت؛ مما دفع ألكسيوس كومنين أن يعجل بنقلهم عبر مضيق البسفور إلى أرض آسيا الصغرى، حيث توجهوا إلى مدينة نيقية، ليكونوا في انتظار بقية الجموع، ثم اتفق ألكسيوس كومنين مع ريمون الرابع على أن يرأس ريمون الرابع هذه الجموع لخبرته في المنطقة، ولدرايته بحروب المسلمين، وليضمن كذلك أن توجه الحملة إلى أطماع ألكسيوس كومنين، لا إلى أطماع تانكرد أو بلدوين الأول أو غيرهما !!

ثم مرَّ شهر أو يزيد ووصلت جموع أخرى من الصليبيين، وخاصة من فرنسا وألمانيا ، وانضمت إلى القوات الأولى في نيقية، ليصل مجموع الحملة الصليبية إلى مائتي ألف في أقل تقدير ! بينما يصل بهم ابن الأثير إلى ثلاثمائة ألف !!

  رسوم لنماذج من جنود الجرمان والفرنسيين في الحملة الصليبية الثانية
لقد كان جيشًا هائلاً تولى قيادته ريمون الرابع، وسار بهم في اتجاه دوريليوم ليلحق ببقية الصليبيين في الشام، وكانت هذه هي رغبة ألكسيوس كومنين أيضًا، حيث كان يريد إعادة السيطرة على المدن التي ضاعت منه هناك، وكان ريمون يريد لهذه الجموع أن تساعده في إسقاط طرابلس لينشأ له إمارة هناك
 طرابلس في محافظة لبنان الشمالي،
إلا أن جموع اللمبارديين رفضت هذا التوجُّه، وأرادت أن تنحرف بالحملة إلى الاتجاه الشمالي الشرقي لتغزو مناطق بني الدانشمند، وذلك بغية فك الزعيم النورماني الكبير بوهيموند من أسره، ولا ننسى أن جموع اللمبارديين من إيطاليا بلد الزعيم المأسور، وعندما أشار ريمون الرابع إلى صعوبة تحرير بوهيموند المحبوس في قلعة نكسار الحصينة في مناطق جبلية وعرة على ساحل البحر الأسود رفض اللمبارديون إشارته، وقالوا: إنهم إن فشلوا في تحريره فإنهم على الأقل سيدمرون أهم مدينتين في أقاليم بني الدانشمند، وهما مديتنا أماسية وسيواس، وأمام إصرار القوة الرئيسية في الجيش رضخ ريمون الرابع، وانحرف بالجيش في الاتجاه الشمالي الشرقي، فوصلوا إلى أنقرة في (494هـ) أواخر يونية 1101م واستولوا عليها في سهولة بالغة، ثم أكملوا طريقهم في اتجاه قسطموني شمالاً !

  أنقرة عاصمة تركيا
إنهم يتجهون الآن إلى عمق بلاد الأتراك المسلمين، فماذا كان ردُّ فعل الملك غازي كمشتكين ؟! وماذا فعل قلج أرسلان الذي كان يتخذ من قونية قاعدة له ؟ , لقد قام الملك غازي بالفعل الصائب إذ أرسل إلى قلج أرسلان السلجوقي ليستعين به في حروب الصليبيين، ولم يخيِّب قلج أرسلان ظنَّه، وجمع جيشه وانضم إليه، بل وانضم إليهما بعد ذلك بعض جنود رضوان بن تتش زعيم حلب !

لقد كان خليطًا عجيبًا من زعماء تناحروا قبل ذلك كثيرًا، ولكنهم رأوا أن الدائرة ستدور عليهم قريبًا، وخاصةً أن هذه الجموع تجاوزت المائتي ألف؛ ولذلك توحدوا !! ومع كون التاريخ غير مبشِّر، ومع كون القلوب غير صافية إلا أن الوَحْدة - مهما كانت - تؤتي ثمارًا ونتائج، نعم قد تكون ثمارًا مؤقتة إن لم تكن هذه الوحدة لله، ولكنها تظل أفضل من الفرقة والتشتت, وهكذا على الرغم من عدم قناعتنا الكاملة بهذه الشخصيات فإنهم استطاعوا أن يفعلوا شيئًا، وشيئًا كبيرًا، لتبقى القاعدة الذهبية الأصيلة: " يد الله مع الجماعة!" . 


ماذا فعلت الجيوش الإسلامية المتحدة ؟!

لقد تقدمت فرقة قلج أرسلان أمام الجيش الصليبي، ثم بدأت تظهر الانسحاب أمامه لتشجعه على الاستمرار في التقدم، وفي أثناء هذا الانسحاب كان السلاجقة يقومون بحرق المزروعات في الحقول، وبردم الآبار، وتدمير المؤن والأغذية حتى لا يتركوا فرصة للجيش الصليبي للتزود بأي تموين، وطال الطريق على الجيش الصليبي، وبدأ يشعر بالتعب والإنهاك، وخاصةً أن هذه الأحداث كانت تدور في شهر يوليو من سنة 1101م، والحرارة عالية، وطبيعة الطريق الجبلية والصخرية مرهقة، وأكثر من ذلك أن السلاجقة كانوا يمارسون مع الجيش حروب استنزاف سريعة أثناء حركة الجيش جعلت الحالة النفسية للصليبيين مضطربة، وحاول ريمون أن يثني الجيش الصليبي عن عزمه باقتحام أرض الدانشمنديين، إلا أن الجيش أصرَّ على تخليص بوهيموند ليكون قائدًا لهم في غزو بلاد الشام !

  إلى الشرق من بحيرة توز كتلة جبلية صلبة قديمة هي كتلة قزيل إرماق (هاليس)
واجتاز الصليبيون نهر هاليس ليدخلوا بذلك إلى أرض بني الدانشمند، وواصلوا تقدمهم شرقًا حتى وصلوا إلى مدينة مرسيفان في منتصف الطريق تقريبًا بين نهر هاليس ومدينة أماسية، وأدركت عيون الأتراك في ذلك الوقت أن الصليبيين قد بلغوا درجة كبيرة من الإعياء، فنصبوا كمينًا خطيرًا للجيش الصليبي، وبدأ الصدام المروّع..

ومع كثرة أعداد الصليبيين فإنَّ اللقاء لم يكن متكافئًا ، فالصليبيون في حالة مزرية من الجوع والعطش والإرهاق وارتفاع درجة الحرارة، إضافةً إلى وجود أعداد كبيرة من الفلاحين غير المحترفين للقتال ، مع جهل الجميع بطبيعة الأراضي ومسالكها .

لقد كان قتالاً من جانب واحد، استطاع فيه المسلمون أن يحققوا نصرًا ساحقًا، حيث هلك أربعة أخماس الجيش الصليبي، وأُسر معظم الباقين، ولم ينجُ من الجيش إلا مجموعة من الأمراء على رأسهم ريمون الرابع، والذين نجوا بأنفسهم عندما رأوا الدائرة تدور على جيشهم، ووصلوا في فرارهم إلى القسطنطينية !

فَقَد الجيش الصليبي في هذه المعركة أكثر من مائة وستين ألف مقاتل، وفقدوا نساءهم وأطفالهم وأموالهم وسلاحهم، وفقدوا سمعتهم وهيبتهم، وكانت هذه الأحداث في (494هـ) أوائل أغسطس سنة 1101.

ولم تكن هذه هي الكارثة الأخيرة للصليبيين في هذه الظروف، إذ إنه في هذه الأثناء وصلت مجموعة أخرى من الصليبيين للقسطنطينية، وكانت هذه المجموعة مكونة من خمسة عشر ألفًا من الفرسان والمشاة الفرنسيين، على رأسهم وليم الثاني كونت نيفرز Nevers، وكان وصول هذه المجموعة في أثناء القتال الدائر في مرسيفان، وانطلق وليم الثاني في أراضي آسيا الصغرى، ووصل إلى أنقرة ودخلها بسهولة، غير أنه لم يدرك أي الطرق سلك الجيش الصليبي الأول، وحيث إن الجيش الصليبي الأول قد هلك بكاملة تقريبًا، ومن فرَّ منه فرَّ في اتجاه الشمال؛ فإن الكونت وليم لم يعرف إلى أي الاتجاهات يسير، ثم إنه في النهاية توجه بجيشه جنوبًا إلى هرقلة، وهناك كانت الأنباء قد وصلت إلى القوات الإسلامية المتحالفة بوصول هذا الجيش الصليبي الجديد، فنزلوا مسرعين في اتجاه هرقلة، وهم في حالة معنوية مرتفعة جدًّا لانتصارهم الباهر في المعركة السابقة، وكان اللقاء حاميًا في هرقلة في أواخر أغسطس سنة 1101م، وكان بالنسبة للمسلمين نزهة عسكرية بالقياس إلى اللقاء السابق ! وما هي إلا ساعات قليلة وفَنِي الجيش الصليبي بكاملة، ولم ينجُ منه إلا زعيمه الكونت وليم الثاني كونت نيفرز، ومعه ستة من خاصَّته وأتباعه ! وتُعرف هذه المعركة في التاريخ بمعركة هرقلة الأولى؛ تمييزًا لها عن معركة هرقلة الثانية التي دارت بعدها بأقل من أسبوعين.

  مدينة هرقلة
أما قصة معركة هرقلة الثانية فتبدأ بوصول المجموعة الثانية من هذه النجدة الصليبية التعيسة، حيث وصل إلى القسطنطينية ستون ألف مقاتل من فرنسا وألمانيا، على رأسهم وليم التاسع دوق أكوتيين وولف الرابع دوق بافاريا، واتجهت هذه المجموعة مباشرة إلى هرقلة عبر قونية، ومارس معها المسلمون نفس الأسلوب الذي مارسوه مع الحملة الأولى، حيث استدرجوهم إلى هرقلة بعد إتلاف المزروعات وطَمْر الآبار، فوصل الجيش الصليبي إلى هرقلة في أوائل سبتمبر من سنة 1101م في حالة مأساوية من الجوع والعطش والإنهاك، وما لبثت المعركة أن بدأت لتصل في خلال ساعات إلى نفس النتيجة حيث أُبيد الجيش الصليبي بكاملة، ولم ينجُ إلا الأمراء الذي هربوا إلى أنطاكية !!

ولعله من الملاحظ في المعارك الثلاثة أن أمراء الجيش الصليبي كانوا يفتحون لأنفسهم طريقًا للهرب تاركين الجموع المسكينة لمصيرهم المشئوم ! وهكذا دائمًا طبيعة الجيوش التي تفتقر إلى قضية، ولا يحرك القائد فيها إلا شهوته للتملُّك ورغبته في التوسع ! لقد كان ثلاث معارك هائلة في أقل من شهرين فَقَد فيها الصليبيون قرابة ربع مليون مقاتل، إضافةً إلى الغنائم والسبي، ولا شك أن حدثًا كبيرًا كهذا كان له من الآثار ما لا يحصى، ولعله من المناسب أن نقف وقفة لنتدبر في نتائج هذه المعارك المهمة، وأثرها على سير الأحداث:

أولاً: ارتفعت معنويات المسلمين في كل مكان، ليس في آسيا الصغرى فقط ولكن في كل العالم الإسلامي، فالمسلمون كانوا يفتقرون إلى نصر يعيد لهم ثقتهم في أنفسهم، ويُهوِّن عندهم قوة الصليبيين، وهذه المعنويات المرتفعة - وإن لم يكن لها مردود سريع - رسَّختْ في الأذهان فشل الادِّعاء القائل بأن الصليبيين قوة لا تقهر، وهذه خطوة مهمة في بداية التغيير.

ثانيًا: من المفترض أن المسلمين فهموا بعد هذه المعارك الثلاث بعض أسباب النصر، ولعل من أبرز هذه الأسباب وضوحًا الجهاد والوحدة،فالحقوق لا تعود إلى أصحابها عن طريق إقناع المعتدين بالعدول عن اعتدائهم، ولا عن طريق طاولة مفاوضات، ولا عن طريق وساطة غربية ولا شرقية، إنما تعود الحقوق بالدفاع الجريء عنها، وبالصمود الطويل، وبالصبر الجميل، وبالإعداد والتجهيز، وبذل الوسع والطاقة؛ وهو ما وَضَح لنا جميعًا في خطوات سير المعارك الثلاث.
كما أن الوَحْدة بين قلج أرسلان وكمشتكين ضاعفت القوة، وسددت الرمية، وأزعجت الأعداء، وأرهبت صدورهم؛ مما قاد إلى النصر بشكل طبيعي مفهوم.

ثالثًا: للأسف الشديد، وللمرة الثانية في حروب السلاجقة والدانشمنديين، لم نر التوجه الإسلامي واضحًا في الحرب التي خاضوها، ولم تنقل المصادر إلينا إشتياقًا إلى الشهادة، أو رغبة في دخول الجنة، إنما أخذت المعارك الطابع القومي والوطني، وطابع الحفاظ على الأراضي والديار والأملاك، وهذا وإن كان من الممكن أن يحقق نصرًا كما رأينا، إلا أن هذا النصر يكون مرحليًّا غير ممتد؛ لأن الله لا يتم نصره إلا لمن قاتل في سبيله، ووحَّد وجهته كلها لله, ومما يؤكد قومية التوجه عند الأتراك في هذه المعارك أنهم لم يسعوا إلى إستغلال هذا النصر والتفوق في تحرير المدن الإسلامية المحتلة، مع قربها الشديد من أرضهم، وخاصةً أنطاكية والرها.


رابعًا: مع حلاوة هذا النصر وبريقه فإنَّ قادة المسلمين في الشام كانت على أعينهم غشاوة سميكة جدًّا، فلم يفهموا هذا النصر، ولم يعلموا أسبابه، بل لم يفكروا في إستغلال أزمة الصليبيين بفقدان هذا العدد الهائل من الجنود، ومن ثَمَّ لم يسعوا إلى تحرير أوطانهم وديارهم.

خامسًا: تفرغ الأتراك في آسيا الصغرى بعد هذه المعارك إلى بسط سيطرتهم على المدن هناك، فسيطر قلج أرسلان على وسط آسيا الصغرى، واتخذ قونية عاصمة له، بينما ركَّز كمشتكين بن الدانشمند جهوده في الشرق، وأسقط ملطية تحت سيطرته.

سادسًا: أغلقت هذه المعارك الطريق البري من القسطنطينية إلى أرض الشام أمام القوات الصليبية، وظل هذا الطريق مغلقًا قرابة قرن كامل من الزمان حتى زمان الإمبراطور الألماني فردريك باربروسا في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي؛ مما يشير إلى مدى الرهبة التي تُلقى في قلوب أعداء الأمة إذا رُفعت راية الجهاد والمقاومة.

  القسطنطينية
سابعًا: أدى انغلاق الطريق البري لأرض الشام أن نشطت جدًّا حركة السفن في البحر الأبيض المتوسط للوصول بالإمدادات والمؤن والجيوش إلى الموانئ الشامية والقسطنطينية، ولما كانت معظم هذه السفن مملوكة للجمهوريات الإيطالية فإنَّ دور هذه الجمهوريات أصبح مؤثرًا جدًّا في أحداث الحروب الصليبية، ولعشرات السنوات المقبلة.

ثامنًا: أدت هذه الانتصارات الإسلامية إلى قلق الصليبيين في الشام، وهذا أدى بدوره إلى توقف حركاتهم التوسعية، وقناعتهم بالاكتفاء بالحفاظ على ما بأيديهم، خاصةً أن هزيمة الصليبيين كان لها وقع سيِّئ جدًّا على الغرب الأوربي مما عوَّق جهود الكنيسة في جمع المقاتلين.

تاسعًا: أدت هذه الانتصارات إلى اقتناع الدولة البيزنطية أن قوتها أضعف من أن تخوض قتالاً مباشرًا مع الأتراك في داخل آسيا الصغرى، ومن ثَمَّ لم تحاول أن تدخل جيوشها إلى هذه المناطق إلا بعد وفاة قلج أرسلان بعد ذلك بست سنوات.

عاشرًا: نتيجة سلبية خطيرة لهذا النصر، وهي أن البيتين التركيين الكبيرين: البيت السلجوقي، والبيت الدانشمندي دخلا في صراع محتدم بعد هذا الانتصار، فقد تفرَّغ كل منهما للآخر، ولم يفهما قيمة الوحدة التي أنعم الله بها عليهما في وقت من الأوقات، ومن ثَمَّ نظر كل طرف إلى مصالحه الخاصة، وإلى أطماعه التوسعية؛ ولما كانت مساحة آسيا الصغرى محدودة، فكان لا بد من التوسع على حساب الطرف الآخر ! كما أن وفرة الغنائم وكثرة الأموال كانت من العوامل التي أغرت الطائفتين بنسيان الأصول الإسلامية، والتفرُّغ لجمع الدنيا !!

لكن على العموم فإن هذه المعارك التي حدثت أدت إلى خروج آسيا الصغرى تقريبًا من موازنات الحروب الصليبية، حيث أخرجها الصليبيون من حساباتهم لفترة طويلة، كما أخرج سكانها المسلمون بقيَّة القضايا الإسلامية - وعلى رأسها احتلال الشام وفلسطين - من حساباتهم، وصارت قضية احتلال القدس وغيرها من المدن الإسلامية وكأنها من قضايا الشأن الداخلي التي تخص الفلسطينيين والشاميين، ولا دخل لبقية المسلمين فيها، وهذا - لا شك - قصور كبير في الفَهْم، وبُعد هائل عن حقيقة الشرع وطبيعة الدين