الأحد، 30 سبتمبر 2012

(39) السفاهة أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. الفصل السادس: بني صهيون



الفصل السادس: بني صهيون
أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
(39) السفاهة
 
 اليهود أهل الكذب والنفاق فكما لم يدعوه فعل قبيح إلا وفعلوه، ولم يتركوا صفة قبيحة إلا واستأثروا بها دون غيرهم من البشر، كذلك الأمر لم يدعوا فرصة للنيل أو الطعن في الإسلام إلا واستغلوها، وهذا ما حدث عند تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، و ما فعلوا ذلك إلا لتمكن السفاهة من عقولهم، ولقد خلد القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى:
- في سورة البقرة حيث قال تعالى{سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }  (1) سورة البقرة:142


قال الإمام الطبري:
يعنـي بقوله جل ثناؤه{ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ } سيقول الـجهال من الناس، وهم الـيهود وأهل النفـاق. وإنـما سماهم الله عزّ وجلّ سفهاء لأنهم سَفِهوا الـحقّ، فتـجاهلت أحبـارُ الـيهود، وتعاظمت جهالتهم وأهلُ الغبـاء منهم عن إتباع مـحمد صلى الله عليه وسلم، إذ كان من العرب ولـم يكن من بنـي إسرائيـل، وتـحير الـمنافقون فتبلَّدوا.
سيقول السفهاء من النَّاس لكم أيها الـمؤمنون بـالله ورسوله، إذا حوّلتـم وجوهكم عن قبلة الـيهود التـي كانت لكم قبلة قبل أمري إياكم بتـحويـل وجوهكم عنها شطر الـمسجد الـحرام: أيّ شيء حوّل وجوه هؤلاء، فصرفها عن الـموضع الذي كانوا يستقبلونه بوجوههم فـي صلاتهم؟ فأعلـم الله جل ثناؤه نبـيه صلى الله عليه وسلم ما الـيهود والـمنافقون قائلون من القول عند تـحويـل قبلته وقبلة أصحابه عن الشام إلـى الـمسجد الـحرام، وعلّـمه ما ينبغي أن يكون من ردّه علـيهم من الـجواب، فقال له: إذا قالوا ذلك لك يا مـحمد، فقل لهم{ لِلَّهِ الـمَشْرقُ والـمَغْربُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلـى صِراطٍ مُسْتَقِـيـمٍ }
عن ابن عبـاس قال: لـما صُرفت القبلة عن الشام إلـى الكعبة، وصرفت فـي رجب علـى رأس سبعة عشر شهراً من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمدينة، أتـى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رفـاعةُ بن قـيس، وقردم بن عمرو، وكعب بن الأشرف، ونافع بن أبـي نافع هكذا قال ابن حميد، ورافع بن أبـي رافع والـحجاج بن عمرو حلـيف كعب بن الأشرف والربـيع بن الربـيع بن أبـي الـحقـيق وكنانة بن الربـيع بن أبـي الـحقـيق، فقالوا:
 يا مـحمد ما ولاّك عن قبلتك التـي كنت علـيها وأنت تزعم أنك علـى ملة إبراهيـم ودينه؟ ارجع إلـى قبلتك التـي كنت علـيها نتبعك ونصدقك وإنـما يريدون فتنته عن دينه. فأنزل الله فـيهم{سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِـي كَانُوا عَلَـيْهَا} إلـى قوله:{ إلا لِنَعْلَـمَ مَنْ يَتَّبِعِ الرَّسُولَ مِـمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَـىٰ عَقِبَـيْهِ}
عن ابن عبـاس قال: لـما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الـمدينة، وكان أكثر أهلها الـيهود، أمره الله أن يستقبل بـيت الـمقدس، ففرحت الـيهود. فـاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ قبلة إبراهيـم علـيه السلام، وكان يدعو وينظر إلـى السماء، فأنزل الله عزّ وجلّ: قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِـي السَّماءِ الآية، فـارتاب من ذلك الـيهود، وقالوا: ما { وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِـي كَانُوا عَلَـيْهَا } فأنزل الله عز وجل: { قُلْ لِلَّهِ الـمَشْرِقُ والـمَغْرِبُ }.
عن ابن عبـاس قال: قال ذلك قوم من الـيهود للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: ارجع إلـى قبلتك التـي كنت علـيها نتبعك ونصدّقك يريدون فتنته عن دينه.(2) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري
قال الشيخ/ سيد قطب:
مجموع الروايات المتعلقة بهذا الحادث يمكن أن يستنبط منها - بالإجمال - أن المسلمين في مكة كانوا يتوجهون إلى الكعبة منذ أن فرضت الصلاة - وليس في هذا نص قرآني - وأنهم بعد الهجرة وجهوا إلى بيت المقدس بأمر إلهي للرسول - صلى الله عليه وسلم - يرجح أنه أمر غير قرآني. ثم جاء الأمر القرآني الأخير: { فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوكم شطره }.. فنسخه.
وعلى أية حال فقد كان التوجه إلى بيت المقدس - وهو قبلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى - سبباً في اتخاذ اليهود إياه ذريعة للاستكبار عن الدخول في الإسلام، إذ أطلقوا في المدينة ألسنتهم بالقول، بأن اتجاه محمد ومن معه إلى قبلتهم في الصلاة دليل على أن دينهم هو الدين، وقبلتهم هي القبلة؛ وأنهم هم الأصل، فأولى بمحمد ومن معه أن يفيئوا إلى دينهم لا أن يدعوهم إلى الدخول في الإسلام!
وفي الوقت ذاته كان الأمر شاقاً على المسلمين من العرب، الذين ألفوا في الجاهلية أن يعظموا حرمة البيت الحرام؛ وأن يجعلوه كعبتهم وقبلتهم. وزاد الأمر مشقة ما كانوا يسمعونه من اليهود من التبجح بهذا الأمر، واتخاذه حجة عليهم!
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقلب وجهه في السماء متجهاً إلى ربه، دون أن ينطق لسانه بشيء، تأدباً مع الله، وانتظاراً لتوجيهه بما يرضاه..
ثم نزل القرآن يستجيب لما يعتمل في صدر الرسول - صلى الله عليه وسلم -: { قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره}
وتقول الروايات: إن هذا كان في الشهر السادس عشر أو السابع عشر من الهجرة، وإن المسلمين حينما سمعوا بتحويل القبلة، كان بعضهم في منتصف صلاة، فحولوا وجوهم شطر المسجد الحرام في أثناء صلاتهم، وأكملوا الصلاة تجاه القبلة الجديدة.
عندئذ انطلقت أبواق - يهود وقد عز عليهم أن يتحول محمد - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة عن قبلتهم، وأن يفقدوا حجتهم التي يرتكنون إليها في تعاظمهم وفي تشكيك المسلمين في قيمة دينهم - انطلقت تلقي في صفوف المسلمين وقلوبهم بذور الشك والقلق في قيادتهم وفي أساس عقيدتهم.
قالوا لهم: إن كان التوجه - فيما مضى - إلى بيت المقدس باطلاً فقد ضاعت صلاتكم طوال هذه الفترة؛ وإن كانت حقاً فالتوجه الجديد إلى المسجد الحرام باطل، وضائعة صلاتكم إليه كلها.. وعلى أية حال فإن هذا النسخ والتغيير للأوامر - أو للآيات - لا يصدر من الله، فهو دليل على أن محمداً لا يتلقى الوحي من الله!
وتتبين لنا ضخامة ما أحدثته هذه الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف الإسلامي من مراجعة ما نزل من القرآن في هذا الموضوع، منذ قوله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها } - وقد استغرق درسين كاملين في الجزء الأول - ومن مراجعة هذا الدرس في هذا الجزء أيضاً. ومن التوكيدات والإيضاحات والتحذيرات التي سندرسها فيما يلي تفصيلاً عند استعراض النص القرآني.
أما الآن فنقول كلمة في حكمة تحويل القبلة، واختصاص المسلمين بقبلة خاصة بهم يتجهون إليها. فقد كان هذا حادثاً عظيماً في تاريخ الجماعة المسلمة، وكانت له آثار ضخمة في حياتها..
لقد كان تحويل القبلة أولاً عن الكعبة إلى المسجد الأقصى لحكمة تربوية أشارت إليها آية في هذا الدرس:
{ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه }.. فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ويعدونه عنوان مجدهم القومي.. ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله، وتجريدها من التعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة، المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية على العموم.. فقد نزعهم نزعاً من الاتجاه إلى البيت الحرام، واختار لهم الاتجاه - فترة - إلى المسجد الأقصى، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية، وليظهر من يتبع الرسول إتباعا مجرداً من كل إيحاء آخر، إتباع الطاعة الواثقة الراضية المستسلمة، ممن ينقلب على عقبيه اعتزازاً بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ؛ أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير أي تلبس من قريب أو من بعيد..
حتى إذا استسلم المسلمون، واتجهوا إلى القبلة التي وجههم إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي الوقت ذاته بدأ اليهود يتخذون من هذا الوضع حجة لهم، صدر الأمر الإلهي الكريم بالاتجاه إلى المسجد الحرام. ولكنه ربط قلوب المسلمين بحقيقة أخرى بشأنه. هي حقيقة الإسلام. حقيقة أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون خالصاً لله، وليكون تراثاً للأمة المسلمة التي نشأت تلبية لدعوة إبراهيم ربه أن يبعث في بنيه رسولاً منهم بالإسلام، الذي كان عليه هو وبنوه وحفدته. (3) تفسير في ظلال القرآن/ سيد قطب
قال الشيخ/ محمد متولي الشعراوي:
هذه الآية نزلت لتصفي مسألة توجه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس.. وهذا أول نسخ في القرآن الكريم.. يريد الله سبحانه وتعالى أن يعطيه العناية اللائقة؛ لأنه سيكون مثار تشكيك وجدل عنيف من كل من يعادي الإسلام؛ فكفار قريش سيأخذون منه ذريعة للتشكيك وكذلك المنافقون واليهود.
الله تبارك وتعالى يريد أن يحدد المسألة قبل أن تتم هذه التشكيكات.. فيقول جل جلاله: { سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا }.. حرف السين هنا يؤكد إنهم لم يقولوا بعد.. ولذلك قال سبحانه: { سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ } فقبل أن يتم تحويل القبلة قال الحق تعالى: إن هذه العملية ستحدث هزة عنيفة يستغلها المشككون.
وبرغم أن الله سبحانه وتعالى قال: { سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ }.. أي أنهم لم يقولوها إلا بعد أن نزلت هذه الآية.. مما يدل على أنهم سفهاء حقا؛ لأن الله جل جلاله أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم في قرآن يتلى ويصلى به ولا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة.. قال: { سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ }.. فلو أنهم امتنعوا عن القول ولم يعلقوا على تحويل القبلة لكان ذلك تشكيكا في القرآن الكريم.. لأنهم في هذه الحالة كانوا يستطيعون أن يقولوا: إن قرآنا أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة.. قال: { سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ }.. ولم يقل أحد شيئا..
ولكن لأنهم سفهاء فعلا.. والسفه جهل وحمق وطيش قالوها.. فكانوا وهم الكافرون بالقرآن الذين يريدون هدم هذا الدين من المثبتين للإيمان الذين تشهد أعمالهم بصدق القرآن. لأن الله سبحانه قال: { سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ } وهم قالوا فعلا.. ولقد قال كفار مكة عن الكعبة إنها بيتنا وبيت آبائنا وليست بيت الله.. فصرف الله رسوله في أول الإسلام ووجهه إلى بيت المقدس.. وعندئذ قال اليهود: يسفه ديننا ويتبع قبلتنا.. والله سبحانه وتعالى أراد أن يحتوي الإسلام كل دين قبله فتكون القداسة للكل.. ولذلك أسرى برسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس.. حتى يدخل بيت المقدس في مقدسات الإسلام لأنه أصبح محتوى في الإسلام.
ولم يشأ الله أن يجعل القبلة إلى الكعبة أول الأمر لأنهم كانوا يقدسونها على أنها بيت العرب وكانوا يضعون فيها أصنامهم.. ووضع الأصنام في الكعبة شهادة بأن لها قداسة في ذاتها.. فالقداسة لم تأت بأصنامهم بل هم أرادوا أن يحموا هذه الأصنام فوضعوها في الكعبة.
(4) تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي
عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة فانزل الله (قد نرى تقلب وجهك في السماء)فتوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس وهم اليهود.(ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (5) رواه البخاري.