الاثنين، 3 سبتمبر 2012

(17) الصد عن سبيل الله تعالى.أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.الفصل السادس: بني صهيون


الفصل السادس: بني صهيون
أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
(17)    الصد عن سبيل الله تعالى.
وهذه الصفة متأصلة بل  ومستمرة في بني يهود ، فمن مسالكهم الباقية فيهم إلى يومنا هذا ، صدهم الناس عن سبيل الله تعالى  ، ومنعهم إياهم من الوصول للهداية،وثنيهم عن إتباع الحق المبين ، ومحاولة ردالمسلمين عن دينهم بأنواع الحيل ، وصنوف الخداع والتلبيس ، ومن الآيات القرآنية التي تؤكد ذلك:
-  قال تعالى { قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } (1) آل عمران : 99- 100
وهذا تعنيف من الله سبحانه لهم ، على كفرهم وعنادهم وصدهم عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان ، بكل جهدهم وطاقتهم ، مع علمهم بأنه حق من الله تعالى  بما علموه من كتبهم ، وما بشرتهم به أنبيائهم .والله شاهد على أعمالهم وصدهم الناس عن الهداية والحق ، وعلى سائر أعمالهم وأقوالهم ، وسيجازيهم على  ذلك
 قال الإمام الطبري:
يعنـي بذلك جلُّ ثناؤه: يا معشر يهود بنـي إسرائيـل وغيرهم مـمن ينتـحل التصديق بكتب الله، {لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } يقول: لـم تضلون عن طريق الله ومـحجته التـي شرعها لأنبـيائه وأولـيائه وأهل الإيـمان { مَنْ ءامَنَ } يقول: من صدّق بـالله ورسوله، وما جاء به من عند الله { تَبْغُونَهَا عِوَجاً } يعنـي تبغون لها عوجاً والهاء والألف اللتان فـي قوله: {تَبْغُونَهَا } عائدتان علـى السبـيـل، وأنثها لتأنـيث السبـيـل.
ومعنى قوله: تبغون لها عوجاً، من قول الشاعر، وهو سحيـم عبد بنـي الـحسحاس:
       بغَاكَ وَما تَبْغِيهِ حتـى وَجَدْتَهُ
   
             كأنَّكَ قد وَاعَدْتَهُ أمْسِ مَوْعِدَا
يعنـي طلبك وما تطلبه يقال: أبغني كذا؛ يراد: ابتغه لـي، فإذا أرادوا: أعنّـي علـى طلبه، وابتغه معي قالوا: أبْغنـي بفتـح الألف، وكذلك يقال: احْلُبنـي، بـمعنى: اكفنـي الـحلب وأحْلِبْنـي: أعنـي علـيه، وكذلك جميع ما ورد من هذا النوع فعلـى هذا.
وأما العِوَجُ: فهو الأوَدُ والـميـل، وإنـما يعنـي بذلك الضلال عن الهدى يقول جلّ ثناؤه: { وَلِمَ تَصُدُّونَ } عن دين الله من صدّق الله ورسوله، تبغون دين الله اعوجاجاً عن سننه واستقامته وخرج الكلام علـى السبـيـل، والـمعنى لأهله، كأن الـمعنى: تبغون لأهل دين الله، ولـمن هو علـى سبـيـل الـحقّ عوجاً، يقول: ضلالاً عن الـحقّ وزيغاً عن الاستقامة علـى الهدى والـمـحجة. والعِوَج بكسر أوله: الأود فـي الدين والكلام، والعَوَج بفتـح أوله: الـميـل فـي الـحائط والقناة وكل شيء منتصب قائم.
وأما قوله: { وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ } فإنه يعنـي: شهداء علـى أن الذي تصدّون عنه من السبـيـل حق تعلـمونه وتـجدونه فـي كتبكم. { وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْلَمُونَ } يقول: لـيس الله بغافل عن أعمالكم التـي تعلـمونها مـما لا يرضاه لعبـاده، وغير ذلك من أعمالكم حتـى يعاجلكم بـالعقوبة علـيها معجلة، أو يؤخر ذلك لكم، حتـى تلقوه، فـيجازيكم علـيها.
وقد ذكر أن هاتـين الآيتـين من قوله{ يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ} والآيات بعدهما إلـى قوله{ فَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }
نزلت فـي رجل من الـيهود حاول الإغراء بـين الـحيـين من الأوس والـخزرج بعد الإسلام، لـيراجعوا ما كانوا علـيه فـي جاهلـيتهم من العداوة والبغضاء، فعنفه الله بفعله ذلك وقبح له ما فعل ووبخه علـيه، ووعظ أيضاً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، وأمرهم بـالاجتـماع والائتلاف. ذكر الرواية بذلك:
 حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي الثقفة، عن زيد بن أسلـم، قال: مرّ شاس بن قـيس، وكان شيخاً قد عسا فـي الـجاهلـية، عظيـم الكفر، شديد الضغن علـى الـمسلـمين شديد الـحسد لهم، علـى نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والـخزرج فـي مـجلس قد جمعهم يتـحدّثون فـيه.
فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بـينهم علـى الإسلام بعد الذي كان بـينهم من العداوة فـي الـجاهلـية، فقال: قد اجتـمع ملأ بنـي قـيـلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتـمع ملؤهم لها من قرار.
 فأمر فتـى شاباً من الـيهود وكان معه، فقال: اعمد إلـيهم، فـاجلس معهم وذكرهم يوم بُعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فـيه من الأشعار. وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فـيه الأوس والـخزرج، وكان الظفر فـيه للأوس علـى الـخزرج. ففعل.
 فتكلـم القوم عند ذلك، فتنازعوا وتفـاخروا حتـى تواثب رجلان من الـحيـين علـى الركب أوس بن قـيظي أحد بنـي حارثة بن الـحرث من الأوس وجبـار بن صخر أحد بنـي سلـمة من الـخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتـم والله رددناها الآن جَذَعَةً. وغضب الفريقان، وقالوا:
قد فعلنا السلاحَ السلاحَ موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة: الـحَرَّة ـ فخرجوا إلـيها وتـحاور الناس، فـانضمت الأوس بعضها إلـى بعض، والـخزرج بعضها إلـى بعض علـى دعواهم التـي كانوا علـيها فـي الـجاهلـية.
 فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إلـيهم فـيـمن معه من الـمهاجرين من أصحابه حتـى جاءهم، فقال
: " يا مَعشرَ الـمسلِـمينَ اللَّهَ اللَّهَ، أبدَعْوَى الـجاهلـيَّةِ وأنَا بـينَ أظهرُكمْ بعدَ إذْ هداكُمُ اللَّهُ إلـى الإسلامِ، وأكرَمكُمْ بهِ، وقطعَ بهِ عَنْكُمْ أمْرَ الـجاهلـيَّةِ، واستنقذكُمْ بهِ مِنَ الكفرِ وألَّفَ بهِ بَـينَكُمْ ترْجعونَ إلـى ما كُنْتـمْ علـيهِ كُفَّـاراً "
فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان، وكيد من عدوّهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والـخزرج بعضهم بعضاً. ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدوّ الله شاس بن قـيس وما صنع فأنزل الله فـي شاس بن قـيس وما صنع { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً }... الآية
 وأنزل الله عزّ وجلّ فـي أوس بن قـيظي وجبـار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا مـما أدخـل علـيهم شاس بن قـيس من أمر الـجاهلـية
 {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ }   إلـى قوله:
{أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} (2) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري
وما ذاك إلا لشدة عداوتهم  وحسدهم للمؤمنين ، كما قال سبحانه {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (3) البقرة : 109.
وقال تعالى أيضا  فيهم { فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً} (4) النساء : 160
 أي : بسبب ظلم عظيم منهم - والتنوين للتفخيم - وهو جامع لما ارتكبوه من أنواع الآثام ، حرم الله تعالى عليهم بعض الطيبات ، ثم بسبب صدهم عن سبيل الله الذي لا أوضح منه ، ولا أعظم  ( كثيرا ) أي : ناسا كثيرا ، أو صدا كثيرا ، إذ أنهم صدوا الناس وصدوا أنفسهم  عن الحق .
ومن مكرهم بأهل الإسلام لردهم عن دينهم ، ما ذكره الله تعالى بقوله عنهم{ وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } (5) آل عمران : 72
قال الزمخشري:
وَجْهَ ٱلنَّهَارِ } أوّله. قال:
      مَنْ كَانَ مَسْرُوراً بِمَقْتَلِ مَالِكٍ
   
     فَلْيَأْتِ نِسْوتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
والمعنى: أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أوّل النهار { وَٱكْفُرُواْ } به في آخرة لعلهم يشكون في دينهم ويقولون:
 ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم. وقيل: تواطأ اثنا عشر من أحبار يهود خيبر، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّل النهار من غير اعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك المنعوت
وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم. وقيل: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة قال كعب بن الأشرف لأصحابه:
 آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها في أوّل النهار، ثم اكفروا به في آخرة وصلوا إلى الصخرة، ولعلهم يقولون: هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون (6) تفسير الكشاف/ الزمخشري
 وهي حيلة ماكرة خبيثة ، لبث الخلل في صفوف المسلمين ، وإشاعة الاضطراب ، وهي أن يؤمنوا أول النهار،  أي :  يدخلوا في الإسلام ظاهرا ، ليحسن الناس بهم الظن ، حتى إذا اطمأنوا  إليهم ، رجعوا إلى يهوديتهم ، وكفروا بالإسلام ، ليوهموا حديثي العهد بالإسلام  أو ضعاف الإيمان أنهم يبحثون عن الحقيقة ؟! وأنهم وجدوا الإسلام دينا باطلا ؟! وأن محمدا  صلى الله عليه وسلم ليس هو النبي المرتقب ؟! وأنه كاذب فيما يدعيه ؟! وقد اطلعوا على بواطنه وخوافيه؟!
 وهذه الحيلة الشيطانية سلكها الدهاة منهم من أجل الصد عن سبيل الله تعالى ، وصرف الناس عن الإسلام  ، وإيقاع الشك والريبة في قلوب الخلق ، كما قال تعالى{لعلهم يرجعون} .
ولا يزالون على هذه الصفة الخبيثة الماكرة ، على  مر التاريخ والأيام ،  يحيكون المؤامرات تلو المؤامرات ، للكيد هذه الأمة المسلمة العظيمة ، بأنواع المكائد ، في الدعوة والسياسة وغيرها ، لإشاعة الخلل والاضطراب في صفوف المسلمين وغيرهم.