الأربعاء، 15 أغسطس 2012

(3) تحريفهم لكلام الله تعالى وكتبه ، وكلام رسله - صلوات الله عليهم – بالفظ والمعنى. أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الفصل السادس: بني صهيون


الفصل السادس: بني صهيون        
أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة
(3) تحريفهم لكلام الله تعالى وكتبه ، وكلام رسله -  صلوات الله عليهم بالفظ  والمعنى.
 فمن صفاتهم أنهم حرفوا كلام الله - عز وجل - الذي أُنزل إليهم، وغيروا وبدلوا حتى قال الله - تبارك وتعالى - عنهم للمؤمنين: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}  سورة البقرة (75).
أي : لا تطمعوا في إيمان من هذه صفته وحاله ، من تحريف كلام الله تعالى وتبديله ، من بعد ما عقلوه وعرفوا معناه الحق ، فيضعون له معاني باطلة من عند أنفسهم ما أرادها الله تعالى ، يوهمون الناس أنه المعنى الذي أراده الله ، كذبا وافتراء وجرأة على ربهم !!
 جاء في التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب) للإمام الرازي:
اعلم أنه سبحانه لما ذكر قبائح أفعال أسلاف اليهود إلى ههنا، شرح من هنا قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، قال القفال رحمه الله: إن فيما ذكره الله تعالى في هذه السورة من أقاصيص بني إسرائيل وجوهاً من المقصد:
 أحدها: الدلالة بها على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم: لأنه أخبر عنها من غير تعلم، وذلك لا يمكن أن يكون إلا بالوحي ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب، أما أهل الكتاب فلأنهم كانوا يعلمون هذه القصص فلما سمعوها من محمد من غير تفاوت أصلاً، علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوحي. وأما العرب فلما يشاهدون من أن أهل الكتاب يصدقون محمداً في هذه الأخبار.
 ثانيها: تعديد النعم على بني إسرائيل وما منّ الله تعالى به على أسلافهم من أنواع الكرامة والفضل كالإنجاء من آل فرعون بعدما كانوا مقهورين مستعبدين ونصره إياهم وجعلهم أنبياء وملوكاً وتمكينه لهم في الأرض وفرقه بهم البحر وإهلاكه عدوهم وإنزاله النور والبيان عليهم بواسطة إنزال التوراة والصفح عن الذنوب التي ارتكبوها من عبادة العجل ونقض المواثيق ومسألة النظر إلى الله جهرة، ثم ما أخرجه لهم في التيه من الماء العذب من الحجر وإنزاله عليهم المن والسلوى ووقايتهم من حر الشمس بتظليل الغمام، فذكرهم الله هذه النعم القديمة والحديثة.
 ثالثها: إخبار النبي عليه السلام بتقديم كفرهم وخلافهم وشقاقهم وتعنتهم مع الأنبياء ومعاندتهم لهم وبلوغهم في ذلك ما لم يبلغه أحد من الأمم قبلهم، وذلك لأنهم بعد مشاهدتهم الآيات الباهرة عبدوا العجل بعد مفارقة موسى عليه السلام إياهم بالمدة اليسيرة، فدل على بلادتهم، ثم لما أمروا بدخول الباب سجداً وأن يقولوا حطة ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم ويزيد في ثواب محسنهم بدلوا القول وفسقوا، ثم سألوا الفوم والبصل بدل المن والسلوى، ثم امتنعوا من قبول التوراة بعد إيمانهم بموسى وضمانهم له بالمواثيق أن يؤمنوا به وينقادوا لما يأتي به حتى رفع فوقهم الجبل ثم استحلوا الصيد في السبت واعتدوا، ثم لما أمروا بذبح البقرة شافهوا موسى عليه السلام بقولهم:
{ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} (البقرة ( 67
 ثم لما شاهدوا إحياء الموتى ازدادوا قسوة، فكأن الله تعالى يقول: إذا كانت هذه أفعالهم فيما بينهم ومعاملاتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من الرق والآفة بسببه، فغير بديع ما يعامل به أخلافهم محمداً عليه السلام، فليهن عليكم أيها النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم وإعراضهم عن الحق. 
 رابعها: تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة.
 خامسها: تحذير مشركي العرب أن ينزل العذاب عليهم كما نزل على أولئك اليهود، وسادسها: أنه احتجاج على مشركي العرب المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء، وهو المراد من قوله تعالى: (كَذٰلِكَ يُحْيىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ ( البقرة 73إذا عرفت هذا فنقول:
 إنه عليه السلام كان شديد الحرص على الدعاء إلى الحق وقبولهم الإيمان منه، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم، فقص الله تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة، فقال تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وهنا مسائل:
 المسألة الأولى: في قوله تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وجهان:
الأول: وهو قول ابن عباس أنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لأنه هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم، لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة، روي أنه عليه السلام حين دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية.
الثاني: وهو قول الحسن أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين. قال القاضي: وهذا أليق بالظاهر لأنه عليه السلام وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها، فصح أن يقول تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحاً فلا وجه لترك الظاهر.
 المسألة الثانية: المراد بقوله: { أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع.
 المسألة الثالثة: ذكروا في سبب الاستبعاد وجوهاً:
 أحدها: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام، وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم على الكل، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين.
الثاني: أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك، بل غيره وبدله.
الثالث: أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه.
 المسألة الرابعة:لقائل أن يقول: القوم مكلفون بأن يؤمنوا بالله. فما الفائدة في قوله: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ) )العنكبوت:( 26
الجواب: أنه يكون إقراراً لهم بما دعوا إليه ولو كان الإيمان لله كما قال تعالى: { فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } لما أقر بنبوته وبتصديقه، ويجوز أن يراد بذلك أن يؤمنوا لأجلكم ولأجل تشددكم في دعائهم إليه فيكون هذا معنى الإضافة.
أما قوله تعالى: { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } فقد اختلفوا في ذلك الفريق، منهم من قال: المراد بالفريق من كان في أيام موسى عليه السلام لأنه تعالى وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام الله. 
والذين سمعوا كلام الله هم أهل الميقات، ومنهم من قال: بل المراد بالفريق من كان في زمن محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا أقرب لأن الضمير في قوله تعالى: { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وقد بينا أن الذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. فإن قيل: الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا الميقات، قلنا: لا نسلم بل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال: إنه سمع كلام الله كما يقال لأحدنا سمع كلام الله إذا قرىء عليه القرآن.
أما قوله تعالى: { ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قال القفال: التحريف التغيير والتبديل وأصله من الانحراف عن الشيء والتحريف عنه، قال تعالى) إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ) (الأنفال: 16( والتحريف هو إمالة الشيء عن حقه، يقال: قلم محرف إذا كان رأسه قط مائلاً غير مستقيم.
المسألة الثانية؛ قال القاضي: إن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى: وحمل التحريف على تغيير اللفظ أولى من حمله على تغيير المعنى، لأن كلام الله تعالى إذا كان باقياً على جهته وغيروا تأويله فإنما يكونون مغيرين لمعناه لا لنفس الكلام المسموع، فإن أمكن أن يحمل على ذلك كما روي عن ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقصوا فهو أولى، وإن لم يمكن ذلك فيجب أن يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتاً، وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر كلام الله ظهوراً متواتراً كظهور القرآن، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس كلامه، لكن ذلك ينظر فيه، فإن كان تغييرهم له يؤثر في قيام الحجة به فلا بد من أن يمنع الله تعالى منه وإن لم يؤثر في ذلك صح وقوعه فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه، فأما تحريف المعنى فقد يصح على وجه ما، لم يعلم قصد الرسول باضطرار فإنه متى علم ذلك امتنع منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول متأول تحريم لحم الخنزير والميتة والدم على غيرها.
المسألة الثالثة: اعلم أنا إن قلنا بأن المحرفين هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام، فالأقرب أنهم حرفوا ما لا يتصل بأمر محمد صلى الله عليه وسلم. روي أن قوماً من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به موسى وما نهى عنه، ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس، وأما إن قلنا: المحرفون هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام فالأقرب أن المراد تحريف أمر محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك إما أنهم حرفوا نعت الرسول وصفته أو لأنهم حرفوا الشرائع كما حرفوا آية الرجم وظاهر القرآن لا يدل على أنهم أي شيء حرفوا.
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين؟ أجاب القفال عنه فقال: يحتمل أن يكون المعنى كيف يؤمن هؤلاء وهم إنما يأخذون دينهم ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عناداً، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيروه عن وجهه والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك ولا يلتفتون إلى قول أهل الحق وهو كقولك للرجل: كيف تفلح وأستاذك فلانٰ أي وأنت عنه تأخذ ولا تأخذ عن غيره.
المسألة الخامسة: اختلفوا في قوله: { أَفَتَطْمَعُونَ } فقال قائلون: آيسهم الله تعالى من إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم. وقال آخرون: لم يؤيسهم من ذلك إلا من جهة الاستبعاد له منهم مع ما هم عليه من التحريف والتبديل والعناد، قالوا: وهو كما لا نطمع لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا بلادنا. ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك. ولقائل أن يقول: إن قوله تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } استهفام على سبيل الإنكار، فكان ذلك جزماً بأنهم لا يؤمنون ألبتة فإيمان من أخبر الله عنه أنه لا يؤمن ممتنع، فحينئذ تعود الوجوه المقررة للخبر على ما تقدم.
 أما قوله تعالى: { مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } ، فالمراد أنهم علموا بصحته وفساد ما خلقوه فكانوا معاندين مقدمين على ذلك بالعمد، فلأجل ذلك يجب أن يحمل الكلام على أنهم العلماء منهم وأنهم فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى من بعد في قوله تعالى)َٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً)[آل عمران: 187] وقال تعالى)يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُالبقرة: 146 الأنعام: 20)ويجب أن يكون في عددهم قلة لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم كتمان ما يعتقدون لأنا إن جوزنا ذلك لم يعلم المحق من المبطل وإن كثر العدد.
 أما قوله تعالى: { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فلقائل أن يقول: قوله تعالى: { عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } تكرار لا فائدة فيه: أجاب القفال عنه من وجهين، الأول: من بعد ما عقلوه مراد الله فأولوه تأويلاً فاسداً يعلمون أنه غير مراد الله تعالى. الثاني: أنهم عقلوا مراد الله تعالى، وعلموا أن التأويل الفاسد يكسبهم الوزر والعقوبة من الله تعالى، ومتى تعمدوا التحريف مع العلم بما فيه من الوزر كانت قسوتهم أشد وجراءتهم أعظم، ولما كان المقصود من ذلك تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتصبيره على عنادهم فكلما كان عنادهم أعظم كان ذلك في التسلية أقوى، وفي الآية مسألتان:
المسألة الأولى: قال القاضي قوله تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } على ما تقدم تفسيره، يدل على أن إيمانهم من قبلهم لأنه لو كان بخلق الله تعالى فيهم لكان لا يتغير حال الطمع فيهم بصفة الفريق الذي تقدم ذكرهم، ولما صح كون ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لأن على هذا القول أمرهم في الإيمان موقوف على خلقه تعالى ذلك، وزواله موقوف على أن لا يخلقه فيهم ومن وجه آخر وهو أعظامه تعالى لذنبهم في التحريف من حيث فعلوه وهم يعلمون صحته، ولو كان ذلك من خلقه لكان بأن يعلموا أو لا يعلموا لا يتغير ذلك وإضافته تعالى التحريف إليهم على وجه الذم تدل على ذلك، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة.
المسألة الثانية: قال أبو بكر الرازي: تدل الآية على أن العالم المعاند فيه أبعد من الرشد وأقرب إلى اليأس من الجاهل، لأن قوله تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } يفيد زوال الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق بعد العلم به.
وقد توعدهم الله عز وجل أيضا على هذا التحريف  والتبديل لكلامه ، فقال تعالى ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) ( البقرة آيه 79)
وقال: {مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} سورة النساء (46).
وقال الله - تبارك وتعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} سورة البقرة (104).
 جاء في التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب) للإمام الرازي:
وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت هذه الآية
 وثانيها: قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية، فلا جرم نهى الله عنها.
وثالثها: أن اليهود كانوا يقولون: راعينا أي أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها.
ورابعها: أن قوله: «راعنا» مفاعلة من الرعي بين اثنين، فكان هذا اللفظ موهماً للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا، فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لا بد من تعظيم الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال (لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً (النور   63(
وخامسها: أن قوله: «راعنا» خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول: راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في «انظرنا» إلا سؤال الانتظار كأنهم قالوا له توقف في كلامك وبيانك مقدار ما نصل إلى فهمه.
 وسادسها: أن قوله: راعنا» على وزن عاطنا من المعاطاة، ورامنا من المراماة، ثم إنهم قلبوا هذه النون إلى النون الأصلية وجعلوها كلمة مشتقة من الرعونة وهي الحق، فالراعن اسم فاعل من الرعونة، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر. كقولهم: عياذاً بك، أي أعوذ عياذاً بك، فقولهم: راعنا: أي فعلت رعونة. ويحتمل أنهم أرادوا به: صرت راعنا، أي صرت ذا رعونة، فلما قصدوا هذه الوجوه الفاسدة لا جرم نهى الله تعالى عن هذه الكلمة. وسابعها: أن يكون المراد لا تقولوا قولاً: راعنا أي: قولاً منسوباً إلى الرعونة بمعنى راعن: كتامر ولابن. وقال الله - تبارك وتعالى - لهم: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} سورة البقرة (58). فقالوا: حنطة.
 جاء في تفسير فتح القدير للشوكاني
قال جمهور المفسرين: القرية هي بيت المقدس. وقيل إنها أريحاء قرية من قرى بيت المقدس، وقيل: من قرى الشام. وقوله: { كُلُواْ } أمر إباحة، و { رَغَدًا } كثيراً واسعاً، وهو: نعت لمصدر محذوف، أي: أكلاً رغداً، ويجوز أن يكون في موضع الحال، وقد تقدم تفسيره. والباب الذي أمروا بدخوله هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم بباب حطة.
وقيل: هو: باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل. والسجود قد تقدم تفسيره: وقيل: هو: هنا الانحناء، وقيل: التواضع والخضوع، واستدلوا على ذلك بأنه لو كان المراد السجود الحقيقي الذي هو وضع الجبهة على الأرض لامتنع الدخول المأمور به؛ لأنه لا يمكن الدخول حال السجود الحقيقي. وقال في الكشاف: إنهم أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله، وتواضعاً. واعترضه أبو حيان في النهر المادّ، فقال: لم يؤمروا بالسجود، بل هو: قيد في وقوع المأمور به، وهو: الدخول، والأحوال نسب تقييدية، والأوامر نسب إسنادية. انتهى. ويجاب عنه بأن الأمر بالمقيد أمر بالقيد، فمن قال: اخرج مسرعاً، فهو أمر بالخروج على هذه الهيئة، فلو خرج غير مسرع كان عند أهل اللسان مخالفاً للأمر، ولا ينافي هذا كون الأحوال نسباً تقييدية، فإن اتصافها بكونها قيوداً مأموراً بها هو شيء زائد على مجرد التقييد.
وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً، وقولوا حطة، فبدلوا، فدخلوا يزحفون على أستأهم، وقالوا حبة في شعرة " وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة

ومما جاء فيهم على لسان رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:
- عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قاتل الله فلاناً، ألم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لعن الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها". (جملوا وأجملوا: قال صاحب القاموس، الجميل الشحم المذاب، 3/514، وانظر المعجم الوسيط، مرجع سابق، 1/136، وانظر حاشية صحيح مسلم، 3/1207، النهاية، 1/287)
- وفي رواية عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها" (صحيح البخاري، 23 – كتاب أحاديث الأنبياء، 50- باب ما ذكر عن بني إسرائيل، 2/1075، 654، )3460) 34- كتاب الينبوع، 103- باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع فركه، )2223 –2224)، وانظر صحيح مسلم، 22- كتاب المساقاة، 13- باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، 3/1207، )1518-1583) وفي رواية مسلم أجملوه، )أذابوه).
- وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً، وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا القول والفعل معاً، فأنزل الله عليهم رجزاً من السماء" (المرجع نفسه، 60- كتاب أحاديث الأنبياء، 27- باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام، 2/1055، )3403، 4479، 4479). وصحيح مسلم، 54- كتاب التفسير، 4/2312، ) 3015).
 وتحريف اليهود للكلام الله تعالى وتبديله موجود إلى يومنا هذا ، سواء كان مكتوباً أو مسموعاً أو مقروءاً ، أو مرئيا ، في الأخبار المحلية والعالمية ، والمواقف الدولية ، والعلوم وغيرها ، فيجعلون ما لغيرهم لهم ، ويظهرون المظلوم في صورة الظالم والعكس ، فسبحان الله العظيم .
ومن ذلك التحريف العظيم : افترائهم لكتابهم " التلمود " والذي هو موسوعة تضم كل شيء عن هواجس و خرافات بني إسرائيل ! ويدعون أنه متلقى شفاهة عن موسى عليه السلام ، ويعطي اليهود - عليهم لعنة الله - التلمود أهمية كبرى لدرجة أنهم يعتبرونه الكتاب الثاني ، أو المصدر الثاني للتشريع   كما سبق وأوضحنا، فجعلوه في مرتبة متقدمة عن التوراة.
 مع أن الله تعالى قد امتن عليهم بنعمة إعطائهم التوراة ، التي فيها الشرائع والأحكام ، والهداية إلى طريق الفلاح ، والفوز بالسعادة في الدارين ، قال تعالى ( وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ) البقرة  53)
وسماها الله فرقانا ، لتميزها الحق من الباطل ، والخير من الشر.
لكن ماذا كان موقفهم منها ؟!  إنه  موقف الجاحد لنعم الله ! إذ أعرضوا عنها ، وامتدت أيديهم إليها فحرفوها ، كما شاءت أهواؤهم وشهواتهم كما ذكرنا .
ولقد  شبههم القرآن في تركهم تدبرها ، والعمل بما فيها ، بالحمار يحمل كتبا لا يدري ما فيها ؟!
فقال سبحانه ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) الجمعة 5) والسفر الكتاب الكبير ، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرىء .
فمثل هؤلاء اليهود الذين علموا التوراة ، وكلفوا العمل بها ، ثم لم يعملوا بها ، ولم ينتفعوا بما جاء فيها ، واستحبوا العمى على الهدى ، كمثل الحمار الذي يحمل الكتب العظيمة ، لكنه لا يدري ما فيها ، فلا يناله إلا التعب والكد والثقل.
وكل من علم ولم يعمل ، وباع دينه بدنياه ،  فهذا مثله ، وبئس المثل مثله .
وصدق فيهم قول القائل :
كالعيس في البيداء يقتلها الظما                 والماء فوق ظهورها محمول
 الإمام ابن القيم
وهو تحذير لهذه الأمة أيضا من هذه الخصلة الذميمة ، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين:
) شبه الله تعالى من حمله كتابه ليؤمن به ويتدبره ، ويعمل به ويدعو إليه ، ثم خالف  ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب ؟!  فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ، ولا اتباع  له ، ولا تحكيم لنصوصه ، شبهه بحمار يحمل على ظهره زاملة أسفار ، لا يدري ما فيها ، وحظه منها حمله على ظهره ليس إلا ! فحظه من كتاب الله كحظ هذا هذا الحمار من الكتب التي ظهره! فهذا المثل _ وأن كان قد ضرب لليهود _ فهو متناول من حيث المعنى ، لمن حمل القرآن فترك العمل به ، ولم يؤد حقه ، ولم يرعه حق رعايته