الأحد، 12 أغسطس 2012

(2) معرفة الحق وكتمانه ، والإصرار على ذلك.: أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. الفصل السادس: بني صهيون


الفصل السادس: بني صهيون
أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
(2معرفة الحق وكتمانه ، والإصرار على ذلك.:
 ولقد ورد ذكر هذه الصفة من صفات اليهود فيما يلي من آيات الذكر الحكيم:
·      قال تعالى ناهيا اليهود عن ذلك الخلق السيء ( ولا تلبسوا الحق
بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ) ( البقرة : 42)
وبتدبر الآيات ندرك أن الحق – تبارك وتعالى – قد نهى اليهود في الآية الكريمة عن أمرين هما:
الأول: عن خلط الحق بالباطل ،وهذا من الصفات الأصيلة فيهم نوضحها في حينها فيما سيأتي من با قي ما سيأتي ذكره من صفات اليهود إ ن شاء الله تعالى.
الثاني: كتمان بيان الحق الذي يعرفونه ، ولكنهم يصرون على كتمانة بحثا عن مصالحهم وآمالهم الدنيوية،  فالمقصود من العلم  هداية الضالين إلى الطريق القويم، الذي يجهلونه وبالعلم يعرفونه، ويدركون حقيقته، كما أنه بالعلم أيضا تقوم  الحجة على المعاندين ، ويتميز الحق من الباطل 
·   وقال تعالى:) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) ( البقرة : 76).
 - جاء في التفسير الكبير للرازي:
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف بشهادة التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا حجة أقوى من ذلك، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف بذلك عند محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال القفال: قوله: { فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } مأخوذ من قولهم قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه.
 -    وجاء في تفسير ابن كثير:
وقوله تعالى: { وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } الآية، قال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤا ءَامَنَّا } أي: إن صاحبكم محمداً رسول الله، ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا؛ فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم، فأنزل الله: { وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ } أي: تقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبركم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به.
 يقول الله تعالى: { أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } وقال الضحاك عن ابن عباس: يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا، وقال السدي: هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا. وكذا قال الربيع بن أنس وقتادة وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: " لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن " فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكر، ويرجعون إليهم بعد العصر، وقرأ قول الله تعالى:
[وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ][ آل عمران: 72]
 وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون؛ ليعلموا خبر رسول-  الله صلى الله عليه وسلم  - وأمره، فإذا رجعوا، رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم قطع ذلك عنهم، فلم يكونوا يدخلون، وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا، فيقولون: بلى، فإذا رجعوا إلى قومهم، يعني الرؤساء، قالوا:{أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } الآية.
 وقال أبو العالية { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } يعني: بما أنزل عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ } قال: كانوا يقولون: سيكون نبي، فخلا بعضهم ببعض، فقالوا { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ}
 قول آخر في المراد بالفتح: قال ابن جريج: حدثني القاسم بن أبي برزة عن مجاهد في قوله تعالى: { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم، فقال:
" يا إخوان القردة والخنازير ويا عبدة الطاغوت " فقالوا: من أخبر بهذا الأمر محمداً؟ ما خرج هذا القول إلا منكم { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } بما حكم الله للفتح؛ ليكون لهم حجة عليكم، قال ابن جريج عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم علياً، فآذوا محمداً صلى الله عليه وسلم وقال السدي: { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } من العذاب { لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ } هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } من العذاب؛ ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم.
 وقال عطاء الخراساني: { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } يعني: بما قضى لكم وعليكم. وقال الحسن البصري: هؤلاء اليهود، كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم؛ ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم. وقوله تعالى: { أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ }
 قال أبو العالية: يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوباً عندهم، وكذا قال قتادة، وقال الحسن: { أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما فتح الله عليهم مما في كتابهم؛ خشية أن يحاجهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما في كتابهم عند ربهم { وَمَا يُعْلِنُونَ } يعني: حين قالوا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم آمنا. كذا قال أبو العالية والربيع وقتادة.
 -    وجاء في فتح القدير للشوكاني:
{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } يعني أن المنافقين إذا لقوا الذين آمنوا: { قَالُواْ ءامَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } أي: إذا خلا الذين لم ينافقوا بالمنافقين قالوا لهم عاتبين عليهم: { أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: حكم عليكم من العذاب، وذلك أن ناساً من اليهود أسلموا، ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذّب به آباؤهم، وقيل إن المراد ما فتح الله عليهم في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم معنى خلا. والفتح عند العرب: القضاء، والحكم، والفتاح: القاضي بلغة اليمن. والفتح: النصر، ومن ذلك قوله تعالى:
{ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا}[البقرة: 89] وقوله:
{إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ} الأنفال: 19]
ومن الأوّل:
{ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ}سبأ: 26]
{وأنت خير الفاتحين}الأعراف: 89 أي: الحاكمين، ويكون الفتح بمعنى الفرق بين الشيئين، والمحاجة: إبراز الحجة، أي: لا تخبروهم بما حكم الله به عليكم من العذاب، فيكون ذلك حجة لهم عليكم، فيقولون: نحن أكرم على الله منكم، وأحق بالخير منه. والحجة، الكلام المستقيم، وحاججت فلاناً، فحججته أي غلبته بالحجة. { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ما فيه الضرر عليكم من هذا التحدث الواقع منكم لهم. ثم وبخهم الله سبحانه { أَولا * يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } من جميع أنواع الإسرار وأنواع الإعلان، ومن ذلك إسرارهم الكفر، وإعلانهم الإيمان.
 فهنا يصف الحق – تبارك وتعالى - حال المنافقين من اليهود ، أنهم يظهرون بألسنتهم للمسلمين خلاف ما يبطنون .ومن أعظم ما يدل ويؤكد ذلك :
- كتمانهم صفة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -في التوراة والإنجيل ، ومحوهم لها ، وتبديلهم أوصافه ، قال سبحانه ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون * الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) ( البقرة : 142)
وقال ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ... ) الأعراف : 157(
 فاليهود يجدون اسم النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفته مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل ، وكان ينبغي أن يكون هذا من أعظم الدواعي إلى الإيمان به وتصديقه واتباعه ، بل كانوا يبشرون ببعثته قبل أن يبعث ، كما قال الله عنهم ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ماعرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) البقرة : 89 )
 وعن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا : إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لنا : لما كنا نسمع من رجال يهود - وكنا أهل شرك أصحاب أوثان ، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا - وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور ، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون
 قالوا : إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم ، فلما بعث الله النبي-  صلى الله عليه وسلم -أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى ، وعرفنا ماكانوا يتوعدوننا به ، فبادرنا إليه فآمنا به ، وكفروا به ففينا وفيهم نزل الآيات من البقرة ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ماعرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) البقرة : 89) أخرجه ابن إسحاق في السيرة وغيره ، وهو حديث حسن .
 ومن صفته- صلى الله عليه وسلم - عندهم ، ماأخرجه الإمام البخاري في صحيحه : عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قرأت في التوراة صفة النبي- صلى الله عليه وسلم -محمد رسول ، عبدي ورسولي ، سميته المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، بل يعفو ويصفح ، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله " .
 فهم كانوا يعرفون أن محمدا- صلى الله عليه وسلم - رسول الله ، ويتيقنون ذلك كما يتيقنون أبنائهم بحيث لا يشتبهون عليهم بغيرهم من الناس ، ولكن أكثرهم كتموا هذه الشهادة وكفروا بالنبي الأمي العربي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : إن الصفات الموجودة في كتبهم ، لا تنطبق على محمد - صلى الله عليه وسلم  !!- وليس هو المراد بها ؟!

السبت، 4 أغسطس 2012

(1)التطاول على ذات الله تعالى: أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. الفصل السادس: بني صهيون


 الفصل السادس: بني صهيون
أولا: صفات اليهود في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
(1)التطاول على ذات الله تعالى: 
 يعرف الإنسان من خلال تعامله مع الآخر, فإن كانت أخلاقه حسنة, كبر في أعين الناس, و إن كانت غير ذلك سقط من أعين الناس. أما تعامل العبد مع ربه فهو في الغالب غيب لا يعلمه إلا الله, و هو وحده سبحانه يجازي به "إنما الأعمال بالنيات". فكيف إذا أخبرنا الله - عز و جل - بنفسه عن حال قوم قد أساؤا أدبهم معه – جل شأنه - فكيف سيكون حكمنا عليهم أو تجاههم؟!
قال تعالى:
{وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} سورة الأنفال (71).
وقال – جل شأنه -:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً}   سورة النساء (51).
وقال – سبحانه وتعالى -:
(وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ( ال عمران – 78)
و قال – عز وجل -:
" ٱتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَحِدًا ۖ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ) سورة التوبة 31
و قال – سبحانه -:
" أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ " سورة البقرة (100)
وكثير هي الآيات التي تتحدث عن بني إسرائيل وإسائتهم الآدب مع الذات الإلهية.
 إخواني وبني جلدتي:
إن كلام الله لغني عن التعليق, والذي يظهر منه: التكبر و الكفر بنعمة الله و عصيان أوامره و نقض عهوده ...كل هذه هي آداب اليهود مع ربهم. فهل حري بنا أن ننتظر احترام المواثيق من قوم كهؤلاء؟!
لا ننفي أن من أهل الكتاب أمة مقتصدة, و لا نرى في اليهود أجمعين العداوة, لكننا إن قصدنا أحدا فإنما نقصد من يحاربنا من اليهود و الصهاينة الذين يدعون الانتماء إلى الدين اليهودي و الذين يستوطنون أرضنا و يقتلون أبنائنا.
 لقد بلغ من عتو اليهود وشرهم ، أنه لم يسلم أحد من شرهم وإيذائهم وافترائهم ، حتى ذات الله جل جلاله وتقدست أسماؤه ، حيث جاء في القرآن بعض ما وصفوا به ربهم ، مما لا يليق به وبجلاله وكماله وجماله،فهم من أخبث خلق الله، حيث قلَّ أدبهم مع الله - تبارك وتعالى - ومع أنبيائه، ومن سوء آدبهم مع الله – عز وجل:
 -    أنهم نسبوا إلى الله - تبارك وتعالى – الولد، قال – تعالى - {وَقَالَتِ
الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}( سورة التوبة (30-31).
 -    قولهم لعنة الله عليهم – يد الله مغلولة -فمن ذلك قوله - عز وجل – عنهم
( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) (المائدة: 64)
ففي الآية إخبار عن مقالة اليهود الشنيعة ، عليهم لعائن الله ، حيث قالوا : إن يد الله تعالى مغلولة ، أي موثقة ، يعني : عن الخير والإعطاء ، أي وصفوه بالبخل ! تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا
وقد رد الله تعالى عليهم ما قالوه وافتروه واختلقوه ، فقال ( غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) وهذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم ، وهكذا وقع لهم ، وانطبق عليهم ،  فإن عندهم من البخل والحسد والجبن ، ما ليس عند غيرهم من خلق الله تعالى .
قال السعدي في تفسيره: فكانوا أبخل الناس ، وأقلهم إحسانا ، وأسوأهم ظنا بالله ، وأبعدهم عن رحمته التي وسعت كل شيء ، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي
ثم قال تعالى ردا عليهم ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) قال الحافظ ابن كثير : أي :  بل هو الواسع الفضل ، الجزيل العطاء ، الذي ما من شيء إلا  عنده خزائنه ، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له ، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه ،  في ليلنا ونهارنا ، وحضرنا وسفرنا ، وفي جميع أحوالنا ، كما قال ( وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) والآيات في هذه كثيرة
فيده سبحانه سحاء الليل والنهار – كما ورد في الحديث الصحيح -  مدرارا في جميع الأوقات والأحوال ،  بل خيره وبره عم الجميع ، البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، كلاهما يرتع في خيره ورزقه وفضله ، لا يمنع منه عاصيا  ، وفضله على أوليائه أعظم وأبقى
فسبحان الملك العظيم ، البر الكريم ، لا نحصي ثناء عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه تعالى ، وقبح من  وصف ربه بما لا يليق بعظمته وكبريائه .
 -    وقالوا أن الله فقير: فمن تطاولهم على ربهم أيضا : قولهم عن الله تعالى شأنه  بأنه : فقير!! فيقول سبحانه فيهم ( لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) ( آل عمران : 181)
وهذه مقالة شنيعة أخرى يذكرها الله عن هؤلاء المتمردين ، وأخبر أنه سمعها منهم ، وأنه سيكتبها عليهم ويحفظها – وهو تهديد لهم ووعيد - مع أفعال أخرى لهم شنيعة ، وهي قتلهم الأنبياء البررة الناصحة لهم ، وأنه سيجازيهم على ذلك العذاب الأليم المحرق .
روى الإمام محمد بن إسحاق بسند حسن : عن ابن عباس رضي الله عنه قال : دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت المدارس ، فوجد من يهود أناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص , وكان من علمائهم وأحبارهم , ومعه حبر يقال له أشيع , فقال له أبو بكر : ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم , فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده , تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل , فقال فنحاص : والله يا أبا بكر ، ما بنا إلى الله من حاجة من فقر ، وإنه إلينا لفقير ! ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا ! وإنا عنه لأغنياء ! ولو كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم ؟! ينهاكم عن الربا ويعطناه , ولو كان غنيا ما أعطانا الربا !! فغضب أبو بكر رضي الله عنه فضرب وجه فنحاص ضربا شديداً , وقال : والذي نفسي بيده ، لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله , فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين .
فذهب فنحاص إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ، أبصر ما صنع بي صاحبك , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم  - لأبي بكر : " ما حملك على ما صنعت ؟ " فقال : يا رسول الله ، إن عدو الله قد قال قولا عظيما , زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء , فلما قال ذلك , غضبت لله مما قال فضربت وجهه , فجحد فنحاص ذلك وقال : ما قلت ذلك فأنزل الله فيما قال فنحاص ردا عليه ، وتصديقاً لأبي بكر { لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } الآية [ آل عمران : 181] . ( رواه ابن أبي حاتم – انظر حسن التحرير 1/ 309 (
 -    رفضهم الجهاد مع نبي الله موسى – عليه السلام -: ومن سوء أدبهم مع الله تعالى ومع رسله أيضا : ما حكاه الله عنهم من ردهم القبيح ، وفي رفضهم عن الجهاد مع موسى - عليه الصلاة والسلام - ، وتخلفهم عن نصرة دينهم ، وقتال عدوهم ، في قوله  سبحانه { قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ( المائدة 24)
فما أشنع وأقبح هذا الكلام ؟! الموجه منهم لله تعالى ورسوله ، في مقام حرج ، وحال ضيق ، دعاهم فيه إلى نصرة الله ورسوله ودينه.
في حين قال الصحابة الكرام لرسولهم - صلى الله عليه وسلم - حين استشارهم للقتال يوم بدر ولم يكن واجبا عليهم ، قالوا له : والله يا رسول الله ، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون) وكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ، ومن بيدك ومن خلفك ، فرأيت وجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يشرق لذلك وسر بذلك . رواه البخاري وأحمد
وفي رواية لأحمد والنسائي : " قالت الأنصار : والذي بعثك بالحق ، لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك ".
 -    طلبهم بكل وقاحة رؤية الله: ومن سوء أدبهم  مع ربهم : أنهم طلبوا – وبكل وقاحة وجهالة – من نبيهم موسى - عليه السلام - أن يريهم الله تعالى جهرة وعلانية !! وهو مما لا يطاق ولا يستطاع لهم كما هو معلوم ، وذلك بعد أن تبينت لهم آيات الله عز وجل ، وآمنوا به وبرسوله عليه السلام ،  قال سبحانه في ذلك ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ) ( البقرة : 55 )
أي : لن نؤمن لك حتى نرى الله عيانا ، برفع الساتر بيننا وبينه ، وكشف الغطاء دوننا ودونه حتى ننظر إليه بأبصارنا ، فأخذتهم الصاعقة ، صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفا ، قاله ابن جرير وأهل التفسير
وقال تعالى أيضا في ذلك ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى  أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) {النساء : 153)
فقوله تعالى ( فقد سألوا موسى  أكبر من ذلك ) توبيخ من الله جل ثناؤه ، وتقريع لهم ، لجهلهم بالله العظيم الخالق البارىء ، ونقص عقولهم ، وجرأتهم عليه ، واغترارهم بحلمه عنهم ، وصبره عليهم ، وتوضيح ذلك  لهذه الأمة وغيرها من الناس ، ألا يقعوا فيما وقعوا فيه من هذا الذنب الذي استحقوا به عقوبة الله سبحانه بالصاعقة المهلكة .
 -     طلبهم من موسى – عليه السلام – صنم ليعبدوه: ومن ذلك أيضا : قال الله تعالى ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى  اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ) {الأعراف : 138}
وذلك بعد أن أنجاهم الله سبحانه من عدوهم ، من فرعون وقومه ، وأهلكهم الله وبنو إسرائيل ينظرون ،وذلك من كفرهم بالله تعالى وجهلهم وسفههم .
قال السعدي : وأي جهل أعظم من جهل الإنسان بربه وخالقه ، وأراد أن يسوي به غيره ، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ؟!ولهذا قال لهم موسى ( إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ) لأن دعاءهم إياها باطل ، وهي باطلة بنفسها ، فالعمل باطل ، وغايته باطلة
( قال أغير الله أبغيكم إلها ) أي : أطلب لكم إلها غير الله المألوه الكامل في ذاته ، وصفاته وأفعاله ( وهو فضلكم على العالمين ) فيقتضي أن تقابلوا فضله ، وتفضيله بالشكر ، وذلك بإفراد الله وحده بالعبادة ، والكفر بما يدعى من دونه.